من هم محامو المال والأعمال؟ كيف يتربعون على عرش أشهر الملفات والاستثمارات التي تقدر بالملايير؟ وكيف يرافقون أكبر المؤسسات العمومية؟ هذا ما حاولت أن تترجمه مجلة تيل كيل الفرنسية، وتلخصه “فبراير” باضافة بعض من التوابل الصحافية.

وكأنك في واحد من أفخم مكاتب منهاتن، هذا ما كنت أشعر به وأنا ألج مكتب مديري السابق المحامي المتخصص في الأعمال. إنه التصريح الدال الذي استقته مجلة « تيل كيل » باللغة الفرنسية على لسان محام اشتغل مع واحد من « ديناصورات » المال والأعمال في شركات المحاماة بقلب العاصمة الإقتصادية.

نحن أمام ملف خاص حاول أن يقترب من صورة محامين من العيار الثقيل.

يركبون سيارات الجكوار والبنتلي، ويضعون ساعات رولكس، ويقطنون فيلات كاليفورنيا وبوسكورة في مدينة الدار البيضاء، وفاتورة اشتغالهم عادة ما تتجاوز في ملفات بعينها تسعة أصفار على اليمين.

للذين شاهدوا مكتب بطل المسلسل الأمريكي « سوتش»، لكم أن تتخيلوا مكتب المحامي « هارفي » المطل على واحد من أكبر شوارع مانهاتن، أشهر مناطق مدينة نيويورك، لتفهموا ما يقصده المحامي عن المكتب البلوري المطل من برج زجاجي متفرد لرئيسه الأسبق في حي « كازا أنفا »، وهو قطب حضري جديد يقع في موقع مطار أنفا السابق، درج البيضاويين على وصفه بحي « كازا فينونس سيتي ».

لماذا يعتبرون محامون من الدرجة الأولى؟ لأنهم يدبجون عقودا والتزامات من الحجم الكبير، يرافقون قانونيا مشاريع استثمارية ضخمة، يرافقون أكبر المؤسسات العمومية أو الخاصة لصياغة عقود لها وزنها، يستبقون الخلافات ويغلقون في العقود ما يجب غلقه ويفتحون ما يستحب تركه مفتوحا للمستقبل حسب مصلحة الأطراف المتعاقدة، ومن خلال هذه العقود يستبقون خلافات المستقبل لتفاديها، وفي حالة تعذر الاستمرارية يباشرون إجراءات التحكيم..

وهنا يسرد المحام الألمعي كمال نصر الله الذي يوجد على رأس مكتب محاماة متميز، ممثلا لمكتب المحاماة الأمريكي « باكر وماكنزي » في الدار البيضاء، قلنا هنا يسرد قصة جميلة ومعبرة، هو الذي يتذكر كيف اكتشف وهو ما يزال في داياته كمحام في نيويورك، كيف يحرص كل مواطن أمريكي كي يكون لديه محاميا وطبيبا خاصين به، في زمن كان الوعي لدى المواطن الأمريكي بحقه الطبي والقانوني إذا شئتم، وجوديا..

إنه الوعي الأمريكي الذي سبق الوعي الأوروبي. في هذا السياق، كان المحامي نصر الله قد اقترح على رجل أعمال مشهور سنة 1990 خدماته، فإذا به يواجه بالصد: » لماذا سألجأ لمكتبكم، ولماذا سأشتغل معكم؟ ليس لدي مشاكل ولا نزاعات.. »

يومها كان جواب المحامي نصر الله، أن دور مكتبه هو بالأساس تفادي وقوع أي نوع من النزاعات أو أن يكون لديكم نسبة أقل من الخلافات والمشاكل. الذي جرى أنه بعد سنوات، سيلتقي المحامي نفسه مع رجل الأعمال الشهير عينه، ليقول له بكثير من التواصع، لم أستوعب حينها العمل الذي كنتم تقومون به وتقترحونه عليّ، اليوم فقط فهمت أن علي القيام بمجموعة من الخطوات معكم كي أتفادى التقاضي أمام المحاكم »

بسمات: تغيرت المرحلة ومعها العقليات

بسمات الفاسي الفهري صاحبة واحد من أكبر مكاتب المحاماة في الدار البيضاء، تحدثت عن تغير العقليات، وعن التغيير الذي عرفه عالم المال والأعمال والبنزنس، حيث تقول بالحرف في حديثه لمجلة تيل كيل بالفرنسية: » لا يمكننا أن نتصور اليوم مشروعا اقتصاديا دون مرافقة قانونية، إننا أمام خطوة محورية »

في هذا السياق، شهدت ما بين سنتي 2000 و2010 دخول مكاتب أجنبية للمغرب عبر شراكات مع مكاتب محاماة من حجم مكتب الناصري العراقي والكتاني ومكاتب أخرى من نفس الحجم، حيث ظهرت مكاتب أمريكية أو بريطانية أو فرنسية أو اسبانية، وهذا ما يفسره مثلا المحامي الإسباني خوسي اكناسيو غارسيا الذي دخل في شراكة مع مكتب محاماة مغربي ممثلا لمكتب المحاماة غاريغوس، مؤكدا أن وجود شراكات أجنبية مع مكاتب محاماة يمنح الثقة لمستثمرين أجانب كأرضية للتشاور والعمل في مشاريع إقتصادية كبرى في جو من الثقة، وضيف بهذا الصدد: » إننا نتبع زبناءنا أينما حلوا وارتحلو »

المحامي عمر سايار يقول إن الزمن الذي كان فيه المحامي معزولا يشتغل في مكتبه ومن مكتبه قد ولى، إننا في زمن تم فيه تدويل مهنة المحاماة، وهذا يتماشى حسبه مع الزخم الذي تعرفه البنية التحتية والمشاريع الكبرى في الآونة الأخيرة وانفتاح العديد من المشاربع الأوروبية والأمريكية والآسيوية عليه.

المحامي النجم أو المحامي رقم 1

ويظل الأستاذ هشام الناصري نجل وزير العدل الأسبق محمد الناصري أحد أبرز وألمع الوجوه التي تمثل أشهر المكاتب المغربية الدولية، حيث ورث الرجل عن والده القانوني الحكيم والهادئ الحكمة والتبصر وبعد النظر، وهو ما طوره وهو الذي درس القانون في فرنسا وتحديدا في مدينة مونبولييه، وعاد بدبلوم في الجيب وبحضن أبوي سخي ليشرك معه سنة 2011 مكتب المحاماة البريطاني «الين واوفري»، وذلك سنة قبل وفاة والده خلال اجتماع للجنة العليا لاصلاح العدالة، ثم يتحول سنة 2024 إلى شراكة أمريكية مع المكتب « شيرام وستيرلينغ ».

يراكم اليوم المحامي رقم واحد في المملكة الانتصارات، فبعد النجاح الذي دبر به ما بات يعرف بمحاولة ابتزاز صحافيين فرنسيين للملك محمد السادس، ويتعلق الأمر بالصحافية كاترين غراسيه واريك لوران، ومن ثم إدانة الصحافيين بالتهمة الموجهة إليهما، تكون الثقة الملكية قد عبدت للمحامي النجم نجل وزير العدل الأسبق، الطريق نحو ملفات بالغة الأهمية ويتقاطع فيها الطاقي بأكثر الملفات حساسية.

خلافات البدلة السوداء

في نفس الملف، عالجت مجلة تيل كيل سوء الفهم بين ما يمكن اعتبارهم محامون تقليديون ومحامون تقوت مكاتبهم بشراكات أجنبية. وإليكم الفكرة، المحامون « التقليديون »، مع الاحتفاظ بمعقوفتين كبيرتين، لأنه وصف شكلي، يلومون أصحاب المكاتب الدولية على اعتمادهم أو تعاونهم مع محامين غير مسجلين في هيئة الدار البيضاء، وهذا معناه أنهم لا يملكون صلاحية الترافع أمام المحاكم.
بالمقابل، يقولون إن هذا كلام مردود عليه، تقول محامية من مدينة الدار البيضاء: » أغلبنا مسجل في مكاتب محاماة في الخارج، اذا لم يكن في باريس ففي لندن أو نيويورك، لكن ليس في الدار البيضاء، اذا ما يؤاخدوننا عليه هو ما يعتبرونه عدم شرعيتنا، كما أنه ينظر إلينا كما لو كنا أجانب يقفزون على جزء من الكعكة، لكن الواقع أن ما نقوم به مختلف تماما عما يقومون به هم.. لا نحتاج أن نتوفر على صفة محامي كي ننصح المقاولات في مجال المال والأعمال »

من جهة أخرى، يعتبر أصحاب البدلة السوداء أن المكاتب الأجنبية، إن صح هذا التعبير، لا يضبطون كل ما يحدث في دهاليز المحاكم، لهذا يعتمدون على زملائهم من أجل الترافع، وهنا يكمن جزء من الخلل.

عدد مجلة تيل كيل عن محامو المال والأعمال
عدد مجلة تيل كيل عن محامو المال والأعمال

لكن للأستاذ الألمعي نصر الله وجهة نظر أخرى محاولا ختم الأزمة: » لاتشكل المكاتب الدولية للمحاماة تهديدا بالنسبة للمكاتب المحلية، بل بالعكس، ثمة مكان لجميع الكفاءات في اطار من التكامل.. إذا منعناها فسنكون خاسرين، لأن الزبون الذي سيكون في حاجة لخدمة قانونية في مجال المال والاعمال، سيلجأ بالضرورة الى مكتب في باريس او لندن الذي سيقدم له فاتورة بالعملة الصعبة مع ما يعنيه ذلك من ضياع ضريبي، إنها خسارة على كل المستويات، خسارة للمالية العمومية وللزبون وللخبرة القانونية المتراكمة.. »

الأكيد أننا أمام خلاف سيستمر وقد يظهر أكثر مع بروز مشاريع ضخمة طاقية وطرقية استعدادا لمونديال 2030 مع ما سيرافقه من أوراش كبرى، فلكم أن تتصوروا مثلا تشييد ملعب من عيار ملعب بنسليمان وما يتطلبه من مرافقة قانونية، إن مثل هذه الملفات هي التي تخلق التنافس الشرس بين مكاتب بعينها.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store