“كعب الغزال” في جنيف ودموع الفخر في تشيلي… ذكريات السفيرة المغربية كنزة الغالي
هناك لحظات نادرة في الحياة تتوقف فيها عقارب الساعة، لا لأن الزمن توقف، بل لأن ما يُقال يتجاوز الزمن نفسه. لحظات تتحول فيها الكلمات إلى جسور تعبر فوق المحيطات، وتصبح فيها الذكريات شهادات حية على أن الوطن ليس مجرد خريطة معلقة على الجدار، بل نبضٌ في القلب لا يهدأ.
في قاعة امتلأت بالترقب حتى آخر مقعد، تحت سقف كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان الذي، كان هناك شيء مختلف هذه المرة. لم يكن الأمر مجرد ندوة أكاديمية عادية، ولا لقاء بروتوكولي عابر. كان موعدا مع امرأة استطاعت أن تحول الدبلوماسية من مهنة جافة مليئة بالبروتوكولات والتقارير، إلى رسالة إنسانية نابضة بالحياة.
امرأة حملت اسم المغرب في بلاد بعيدة، لا لتضعه في إطار مذهّب على جدار قنصلية باردة، بل لتزرعه في قلوب شعوب بأكملها. امرأة لم تكتف بأن تكون صوت بلادها، بل أصبحت صدى حضارة عريقة تتردد أصداؤها في جبال الأنديز وسهول تشيلي وشوارع المكسيك. إنها كنزة الغالي، السفيرة السابقة للمملكة المغربية لدى جمهورية تشيلي، المرأة التي أثبتت أن الدبلوماسية الحقيقية لا تُصنع في غرف المفاوضات المغلقة، بل في القلوب المفتوحة على الإنسانية.
“أخجلتموني، أخجلتموني”، مرددة بصوت يرتجف بالتأثر، “لأنني في حياتي لم أتلق هذا الزخم الهائل من التصفيقات”. ثم أضافت بتواضع يليق بمن عرفت معنى الخدمة الحقيقية: “أسأل الله عز وجل أن أكون أحسن مما تظنون، وأريد فقط أن أقول لكم إنني لم أقم إلا بواجبي وبعملي فيما يتعلق بالمونديال”.
بدت السفيرة متأثرة بحفاوة الاستقبال الذي قوبلت به من رئيس الجامعة وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وصديق الدرب الأستاذ عبد الرحمن الفتحي رئيس شعبة الإسبانية، ومنسق ماستر إسبانيا-المغرب-أمريكا اللاتينية، إضافة إلى الحضور الكريم من الأساتذة والطلبة.
“في حياتي لم أتلقَّ هذا الزخم الهائم من التصفيقات”، قالت بصوت يخجل تواضعاً، داعية الله أن تكون عند حسن ظنهم، مؤكدة أنها لم تقم سوى بواجبها.
“السفير ليس مخلوقاً عجيباً، إنما هو إنسان ينبثق من هذا المجتمع، من هذا الوطن”. بهذه الكلمات البسيطة العميقة، حددت الغالي فلسفتها الدبلوماسية. السفير ابن تراب الوطن، تنفس هواءه، وعاش مع أبناء جيله، وهو امتداد لشعب “لا يبهره المنصب ولا يندهش للمظاهر”.
دور السفير، كما رأته، يتمثل في “تمثيل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله”، الذي طوق عنقها بأمانة تمثيل المملكة في تشيلي، ذلك البلد “البعيد جغرافيا والقريب إنسانياً”.
وجاءت اللحظة التي تتلألأ في ذاكرة كل مغربي، تلك اللحظة التي أعادت للقلوب نبضها القوي، وللأحلام أجنحتها. لحظة وصول المنتخب الوطني المغربي إلى تشيلي. عيناها لمعتا وهي تسترجع تلك الأيام: “حينما جاء الفريق المغربي وطاقمه، لقد سعدت وتشرفت باستقبالهم، لأنه لأول مرة يكون ذلك في أمريكا اللاتينية، وقد أكرمنا الله عز وجل أن يكون في تشيلي”.
وفتحت أبواب إقامة المملكة المغربية على مصراعيها، ليس لأنها كانت تؤدي بروتوكولاً دبلوماسياً، بل لأن تلك الإقامة في نظرها “إقامتكم وإقامة كل المغاربة، لأن هناك تمثيلاً لكم وليس لغيركم”.
وعندما تحدثت عن وجودها مع اللاعبين في الملعب، انطلقت كلماتها محملة بشغف الأم التي ترى أبناءها يحققون المجد: “أن أكون مع اللاعبين في الملعب فقد كان ذلك شغفاً مني وفرحاً واحتفاءً بأبنائي الذين جاؤوا، كل واحد منهم من ناد مختلف، كلهم يحملون حب الوطن”.
واستشهدت بآية كريمة تختصر فلسفتها في الحياة: “كنت أتذكر قوله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. لذلك كانت هناك الفرحة، فرحات وفرحاً دائماً إن شاء الله”.
وعندما أحرز المنتخب الفوز وسط تحديات كبيرة، كان ردها بسيطاً وعميقاً في آن: “المغرب لا يعجزه، والحمد لله أثبت المغاربة بأنهم شعب التحدي وفريق التحدي”.
انتقلت السفيرة للحديث عن بداياتها، وكأنها تقلب صفحات ألبوم ذكريات عتيق، كل صورة فيه تحمل حكاية. بدأت القصة من جامعة محمد الخامس بالرباط، في زمن كانت فيه الإمكانيات محدودة، لكن الأحلام كانت أكبر من السماء.
“في عام 1979، كنت في الثانوية”، بدأت تسترجع، كنزة الغالي، وفي صوتها حنين من عاش زمناً جميلاً رغم قسوته. وروت كيف أن الملك الحسن الثاني رحمه الله كان يستقبل الطلاب في ساحة واد الذهب بالقصر الملكي، تلك الساحة التي استقبل فيها البيعة من الأقاليم.
“كانت المكتبة الجامعية محدودة الكتب، لكن من أراد أن يدرس فعلاً، فالوسائل موجودة”، قالت بنبرة تحمل درساً للأجيال الجديدة التي تمتلك كل شيء لكنها قد تفتقد إلى الإرادة.
أنجزت إجازتها حول “الدبلوماسية ومشكل الهوية عند الكتاب الأمريكيين اللاتينيين”، رغم أنها لم تكن تعرف شيئاً عن أمريكا اللاتينية آنذاك. لكن أساتذتها “فتحوا لها الآفاق”. ذكرت بكل امتنان أسماء أساتذتها: خلاف، محمد الصالحي، أحمد الصالحي، عبد اللطيف الإمامي رحمهم الله.
ثم جاء الحديث عن شخصية محورية في حياتها، الأستاذة إمامة عود، التي كانت رئيسة المركز، والتي “كانت تعمل نفس العمل الذي يعمله السيد عبد الرحمن الفتحي” اليوم.
بعاطفة جياشة، روت كنزة الغالي كيف كانت الأستاذة عود تستضيف مرة في الشهر أو الشهرين سفيراً من أمريكا اللاتينية. “مرة جاء سفير كولومبيا وكان عازف غيتار، عمل لنا أمسية بغيتاره، ونحن نستمع مبهورين، لأننا لم يكن لدينا أين نشاهد هذا”.
ومن هناك، من تلك الأمسيات البسيطة، وُلد الفضول تجاه أمريكا اللاتينية. “بقي عندي إلى اليوم هذا الفضول تجاه أمريكا اللاتينية”، قالت بابتسامة تحمل شكراً لتلك الأيام.
كان يأتي سفير البيرو ليقرأ عليهم، أو يعرض لهم فيديو عن ماتشو بيتشو. وكانت الأستاذة عود قد أبرمت اتفاقية مع مجلس الأندلس، فأخذت مجموعة من الطلبة إلى غرناطة، حيث شاهدوا عروض الفلامنكو وزاروا قصر الحمراء.
“كان هذا هو الشيء الذي يعمله السيد عبد الرحمن الفتحي، وأحسست أنه عمل مهم جداً، لأن بهذه الطريقة انطلق عندي الهاجس تجاه أمريكا اللاتينية”، أكدت، في إشارة واضحة إلى أهمية دور الأساتذة في رسم مستقبل طلابهم.
القصة لم تنته عند التخرج، بل كانت البداية الحقيقية. في عام 2011، عندما أصبحت عضواً في مكتب مجلس النواب المغربي، جاءتها فرصة لحضور مؤتمر برلماني في البيرو. “شكون اللي غيمشي؟”، تساءل المكتب، “قالوا: واحدة عندنا دكتوراه في الإسبانية، تمشي تمثل البرلمان المغربي في المكسيك”.
وفي المكسيك، حضرت كنزة الغالي مؤتمراً لمنظمة “فوبريل” (الفورو البرلماني لأمريكا الوسطى والكاريبي). وفي نهاية جلسة كانت تحضرها كمراقبة، قدمت ورقة إقليمية. “من الألف حتى النهاية لم يكن أحد ينتبه للمغرب، وفي النهاية عندما طُلبت المداخلات، قلت: أنا من المغرب”.
رئيس المنتدى، وهو رئيس برلمان المكسيك، فوجئ: “ودي، نحن عندنا فورو فيه رؤساء البرلمانات، وعندنا بعض الدول التي هي مراقبة، عندنا تشيلي، عندنا دولة من آسيا، عندنا دولة أخرى، ولكن هناك دولة الآن، دولة جارتنا، هي القلي (الكونغو) يريدون الدخول، ولكن نحن مازلنا ما اعتمدناهمش، ننتظر حتى تأتي الدورة القادمة”.
هنا، بذكاء دبلوماسي فطري، قالت له: “بغيت نقول ليك، كنأخذوا شي جوج من قارة واحدة؟ إلا سبقتي وقدمتي الورقة، الملف ديالكم جاهز”.
عادت السفيرة كنزة إلى المغرب وأخبرت الرئيس آنذاك، كانت هناك آراء مختلفة في المكتب، اعتراضات سياسية، لكن الرئيس حسم الأمر: “هذا الموضوع شدوه، أنا سأتشاور مع وزير الخارجية الأسبوع القادم ونرد عليكم، ولكن يجب ألا يسبقنا الآخرون”.
وبعد أسبوع، جاءها الرد: “بتعليمات سامية، يمكن أن نمشي”. والحمد لله، مشت وقدمت ملف المغرب أمام رؤساء برلمانات أمريكا الوسطى والكاريبي.
لحظة طريفة وحاسمة حدثت عندما سألها رئيس البرلمان المكسيكي: “كيف يمكن للمغرب أن ينضم للفوبري؟ شنو جا يعمل المغرب في الفوبري؟”
ردها كان درساً في التاريخ والجغرافيا والحضارة، مختصراً في جمل قوية: “لو سألني أحد عن المكسيك سأفهم، مكسيكولك معمير موروك. عرب المشرق، يعني الأمازيغ والعرب، المغرب عاشوا في إسبانيا قروناً، وهم الذين جاؤوا إليكم!”
انفجرت القاعة بالتصفيق. وأضافت كنزة الغالي بحكمة: “هذا مهم جداً، ليس فقط في الحياة، عندما تتحدث مع الناس وتشرح لهم، يفهم الكثير من الناس الذين كانوا خصوماً أو يقولون عن المغرب كذا. بالشرح يفهمون أن المملكة المغربية الشريفة هي مملكة عمرها 12 قرناً ولم تتوقف أبداً”.
في جزء مؤثر من كلمتها، تحدثت السفيرة عن المرأة المغربية بفخر واعتزاز، وبصراحة نادرة أيضاً. بدأت بالإشارة إلى أنها أم لثلاثة أبناء وثلاثة أحفاد، وأن حياتها الفكرية كانت بفضل الله ثم بدعم زوجها وعائلتها.
لكنها لم تتردد في القول: “أعتذر للزملاء الرجال، لأن حتى أنا عندي أولاد رجال، ولكن أعطي الحق لزوجاتهم أكثر منهم”. وشرحت السبب بوضوح: “لأنني أقول هم المجتمع الذي يفضلهم، بينما النساء…”
ثم أضافت بنبرة فيها شيء من المرارة الممزوجة بالفخر: “أقولها أحياناً لزوجي عندما أكون في تشيلي، أخرج وهو لا يحب ذلك: أنت في إسبانيا؟ فأقول له: صحيح، أنا سفيرة، لكن عندما يكون رجل سفيراً، زوجته تساعده، بينما نبقى مضبوبة على المرأة السفيرة، وحتى على زوج السفيرة، لأنك تقريباً في هذه الأمور وحدك”.
لكنها سرعان ما أشرقت ابتسامتها وهي تتحدث عن التقدم الذي أحرزه المغرب: “الحمد لله، المرأة المغربية، بفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وحتى في السياسة، إن لم تكن هناك إرادة، ما كنا سنصل إلى البرلمان أو المجالس البلدية ولا حتى الدبلوماسية”.
وأضافت السفيرة كنزة بفخر: “عندما تم تعييني، كنت في عام 2020 واحدة من 48% من السفيرات النساء. 48% من السفراء والقناصل العامين هن نساء. هذا إنجاز لم يكن ممكناً من دون إرادة سياسية”.
لكن أجمل ما في اللقاء كان تلك القصص الإنسانية التي روتها السفيرة، والتي تكشف أن عظمة الإنسان لا تُقاس بمنصبه، بل بأثره في حياة الآخرين.
روت كيف كانت معلمة في منطقة نائية، حيث كان التلاميذ يأتون من الدواوير، يخوضون مياه الشتاء ليصلوا إلى المدرسة. “لم يكن لدينا داخلية بعد، وكانوا يسكنون في البيوت صغاراً، لا يقدرون”. وتذكرت طفلاً بقي يسعل حتى كاد أن يخرج رئته، فأخذته إلى منزلها وأعطته زيتاً وكموناً، وعملت له كمادات ليرتاح.
ثم انتقلت كنزة الغالي إلى قصة أخرى، أكثر تأثيراً. كانت في جنيف لحضور مؤتمر نقابي، وكانت راتبها كمعلمة متواضعاً. دُعيت لعشاء مع مسؤولة أفريقية في المكتب الدولي للعمل، وامرأة آسيوية، وكانت سويسرا غالية. “أنا معلمة، ما عندي الكثير”، قالت لنفسها.
دخلت مطعماً حلالاً متواضعاً، وجلست مع ضيفاتها. فجأة، جاء النادل بطبق كبير من الحلويات فيه كعب الغزال وغيره. “يا رب، نحن ثلاثة فقط!”، قالت متفاجئة. النادل تحدث معها بالعربية: “ألم تتذكريني، أستاذة؟”
“أستاذة؟ هل مكتوب على جبهتي؟”، قالت مندهشة. فأجابها: “أستاذة، أنا كنت أدرس عندك في فاس. كنت واحداً من تلاميذك. كنت حزيناً لأن والدتي توفيت، وعملتِ معي… ثم ذهبت إلى إسبانيا، ثم عملت مع عمي في بلجيكا، والآن أنا هنا”.
وفي النهاية، رفض أن تدفع الحساب، وأحضر لها عشاءً مغربياً كاملاً بالكسكس والدجاج. قالت متأثرة: “والله العظيم، هذا لأنني أحسست أن الإنسان عندما يعمل… لأن الأستاذ هو الأب وهو الأم، لا فرق”.
اختتمت السفيرة كنزة كلمتها بفلسفة حياة عميقة، مستمدة من الإيمان الراسخ. قالت: “أنا عندي هذا اليقين بأن الذي في رزقك لن يأخذه أحد، والذي في عمرك ستعيشه. الإنسان يعمل بيقين، لا بالتردد”.
وأضافت مستشهدة بالأحاديث النبوية: “إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن يعين أحدكم أخاه على ركوب الدابة صدقة، وإغاثة اللهفان، وتبتسم في وجه أخيك صدقة. عندما تعطي، والله العظيم، والله يضاعف لمن يشاء”.
وفي رسالتها الأخيرة للشباب، قالت كنزة الغالي بحماس: “السفراء للمستقبل هم أنتم، في أي مجال كنتم فيه. وأنا أتشرف عندما يأتي، مثلاً، أنتم كنتم فريق الكرة، يأتينا مهندسون من الفوسفاط، يأتينا ناس من مختلف الجهات”.
وضربت مثالاً بخبراء مغاربة جاؤوا إلى تشيلي لتبادل الخبرات حول تدوير النفايات: “الحمد لله، عندنا أوراش كبيرة مهمة، والجيل ديالنا، المغاربة، يجب أن تكون عندنا الثقة في أنفسنا”.
ثم ختمت كنزة الغالي بكلمات تلخص فلسفتها في الحياة: “أنا أؤمن بأن الإنسان الذي ينطلق بيقين، من أي وسط، يستطيع أن يصل. أنا أتذكر أنني كنت أدرس، وكان يأتي عندي تلاميذ من الدواوير، يأتون تحت المطر… لم يكن لدينا ما يكفي، ولكن الإنسان الذي يعمل بإخلاص، الله عز وجل يجزيه”.
في ذلك اليوم، في قاعة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، لم يستمع الحضور إلى محاضرة دبلوماسية عادية. لقد استمعوا إلى قصة حياة، إلى رحلة امرأة مغربية عادية أصبحت استثنائية ليس بمنصبها، بل بإنسانيتها. امرأة أثبتت أن الدبلوماسية الحقيقية لا تُصنع في قاعات المؤتمرات الفخمة، بل في القلوب التي تنبض بحب الوطن والإنسان.
كنزة الغالي لم تكن مجرد سفيرة للمغرب في تشيلي، بل كانت سفيرة للإنسانية المغربية في أبهى صورها. وفي زمن تزدحم فيه الدنيا بالمناصب الجوفاء، يبقى نموذجها منارة تضيء للأجيال القادمة: أن العظمة الحقيقية تكمن في أن تبقى إنساناً، مهما علا شأنك.