كشف التقرير السنوي حول “الاستقرار المالي” في نسخته الثانية عشرة عن قطاع مالي قوي ومتين، نجح في الحفاظ على توازناته وترسيخ أسسه خلال سنة 2024، رغم ظرفية دولية صعبة ومناخ محلي متقلب.
التقرير، الصادر عن بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، يرسم صورة إيجابية لمنظومة مالية واصلت نموها، حيث استقر إجمالي أصولها عند 3,441 مليار درهم، مسجلاً زيادة بنسبة 9,8% مقارنة بالعام السابق، وهو ما يمثل 216% من الناتج الداخلي الإجمالي، في دلالة على عمق وأهمية القطاع في النسيج الاقتصادي للمملكة.
يظل القطاع البنكي المغربي، بحسب التقرير، هو العمود الفقري للمنظومة المالية، مستحوذاً على حصة تناهز 61% من إجمالي الأصول. ولم تكن هذه الهيمنة شكلية، بل اقترنت بـ”متانة” و”صلابة” في الأسس، وهو ما أكدته مؤشرات الربحية والسيولة وكفاية رأس المال.
وقد عززت “اختبارات الضغط” التي خضعت لها البنوك الرئيسية هذه الخلاصة، مؤكدة قدرتها على مواجهة الصدمات المحتملة، سواء تلك الناتجة عن التوترات الجيوسياسية العالمية أو الظروف المناخية غير المواتية التي أثرت على القطاع الفلاحي محلياً.
على الصعيد الماكرو-اقتصادي، أظهر الاقتصاد الوطني مرونة لافتة محققاً نمواً بنسبة 3,8% سنة 2024، مدفوعاً بشكل أساسي بانتعاش الأنشطة غير الفلاحية وقطاعات “المهن العالمية للمغرب”.
وتحمل التوقعات المستقبلية المزيد من التفاؤل، حيث يتوقع بنك المغرب أن يتسارع النمو ليبلغ 4,6% سنة 2025، قبل أن يستقر عند 4,4% في 2026. وفي جبهة أخرى، تواصلت جهود كبح التضخم بنجاح، حيث من المتوقع أن يظل في مستويات متحكم فيها عند 1% سنة 2025 و1,8% سنة 2026، مما يدعم القدرة الشرائية للأسر واستقرار بيئة الأعمال.
أحد أبرز المؤشرات الإيجابية التي حملها التقرير هو النجاح المستمر في “توطيد المالية العمومية”. فقد تراجع عجز الميزانية إلى 3,9% من الناتج الداخلي الخام سنة 2024، مقارنة بـ 4,4% في 2023. ويعود هذا التحسن إلى تعزيز المداخيل الجبائية وغير الجبائية، وتبني آليات تمويل مبتكرة، وتقليص نفقات المقاصة.
هذه السياسة الحصيفة انعكست مباشرة على دين الخزينة الذي انخفض إلى 67,7% من الناتج الداخلي الخام، مع توقعات بمواصلة مساره التنازلي ليصل إلى 65,6% بحلول عام 2026.
على صعيد المبادلات الخارجية، ورغم أن العجز التجاري لا يزال “كبيراً”، إلا أن الدينامية القوية لعائدات السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج ساهمت في إبقاء عجز الحساب الجاري تحت السيطرة عند 1,2% من الناتج الداخلي الخام. كما شهدت تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة نمواً قوياً، لتبلغ 43,8 مليار درهم، مما يعكس الثقة المتزايدة للمستثمرين الدوليين في الاقتصاد المغربي.
وبذلك، يخلص التقرير إلى أن المنظومة المالية الوطنية لا تظهر فقط قدرة على الصمود في وجه التحديات، بل تساهم بفاعلية في بناء أسس متينة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل في السنوات القادمة.