توفي القاضي الأمريكي فرانك كابريو، الرئيس السابق للمحكمة البلدية في مدينة بروفيدنس بولاية رود آيلاند، وأحد أبرز الوجوه القضائية التي عُرفت عالميًا بفضل أسلوبها الإنساني في تطبيق القانون، يوم الأربعاء 20 غشت 2025، عن عمر ناهز 88 عامًا. وقد حظي كابريو بشهرة واسعة تخطت حدود بلده، ليصبح يُلقب بـ “أطيب قاضٍ في العالم”، بفضل قراراته المفعمة بالرحمة ومواقفه التي لامست قلوب الملايين.
وُلد فرانك كابريو في 24 نونبر 1936 بمدينة بروفيدنس، لأسرة مهاجرة متواضعة؛ كان والده أنطونيو كابريو مهاجرًا إيطاليًا يعمل بائعًا للفواكه متجولًا، بينما كانت والدته فيلومينا كابريو ربة بيت. وعلى الرغم من بساطة ظروفه، استطاع أن يشق طريقه نحو التعليم العالي، حيث حصل على شهادة من كلية بروفيدنس عام 1958، ثم تابع دراسته في القانون بجامعة سافولك، لينال شهادته في الحقوق وهو لا يزال يمارس التدريس في مدرسة ثانوية، في تجربة جمعت بين العلم والعمل وأظهرت مبكرًا ملامح شخصيته المثابرة.
دخل كابريو الحياة العامة مبكرًا، إذ انتُخب عضوًا في مجلس مدينة بروفيدنس بين عامي 1962 و1968، قبل أن يتفرغ لممارسة المحاماة الخاصة. وفي سنة 1985 عُيّن قاضيًا بالمحكمة البلدية لبروفيدنس، ثم أصبح رئيسًا لها، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى تقاعده عام 2023 بعد ما يقارب أربعة عقود من العمل المتواصل.
لم يقتصر تأثير القاضي الراحل على قاعة المحكمة فحسب، بل امتد ليصبح أيقونة إعلامية من خلال البرنامج التلفزيوني الشهير Caught in Providence، الذي بدأ عرضه على قناة محلية صغيرة قبل أن يُوزع على نطاق وطني، ويحقق نجاحًا واسعًا بفضل أسلوبه الفريد في التعامل مع قضايا المرور والمخالفات البسيطة. فقد كان كابريو يوازن بين تطبيق القانون بروح العدالة وبين الاستماع بإنصات إلى ظروف المتقاضين، ليمنحهم مساحة من الرحمة جعلت كثيرًا من أحكامه تنتشر بشكل فيروسي على منصات التواصل الاجتماعي. وأحد أكثر تلك اللحظات المؤثرة كان في عام 2019 حين أعفى مسنًا في التسعين من مخالفة مرورية بعد أن دخل المحكمة باكيًا، مشهدًا شاهده الملايين حول العالم ورسخ صورته كقاضٍ رحيم.
وبعيدًا عن عمله القضائي، لعب كابريو أدوارًا بارزة في مجالات أخرى، حيث شغل منصب رئيس مجلس حكام التعليم العالي في ولاية رود آيلاند، وأسّس عدة منح دراسية لدعم طلاب الجامعات، خاصة في كلية بروفيدنس وجامعة سافولك، إيمانًا منه بأهمية التعليم كرافعة للعدالة الاجتماعية. كما نال عدة شهادات دكتوراه فخرية تقديرًا لمساره، وأُدرج اسمه في “قاعة الشهرة لتراث رود آيلاند”، وهو اعتراف بمكانته كشخصية بارزة في تاريخ الولاية.
ورغم مسيرته الحافلة، واجه القاضي الراحل أصعب اختبار في أواخر سنة 2023، حين أعلن في مقطع مؤثر على منصة يوتيوب عن إصابته بسرطان البنكرياس. وفي ذلك الفيديو، الذي أثار تعاطفًا واسعًا، خاطب جمهوره قائلاً: “أحتاج إلى قوة الدعاء، التي أؤمن بأنها، إلى جانب العلاج الطبي، هي السلاح الأقوى لمساعدتي على تجاوز هذه المحنة.” وعلى امتداد فترة علاجه ظل محافظًا على إيمانه وروحه المرحة وتواضعه، مؤكدًا أنه عاش “حياة مليئة بالبركات”، وأنه لن يسمح للمرض بأن يحدد سنواته الأخيرة.
ترك فرانك كابريو وراءه أسرة كبيرة، إذ كان متزوجًا من جويس كابريو، وله خمسة أبناء من بينهم فرانك تي. كابريو، الذي شغل سابقًا منصب الخازن العام لولاية رود آيلاند، إضافة إلى سبعة أحفاد واثنين من أحفاد الأحفاد. وقد نعاه ابنه برسالة مؤثرة قال فيها: “كان والدي دائم العطاء، دائم السعي لمساعدة الآخرين. لقد انتشرت رحمته في كل مكان بفضل المتابعين من مختلف أنحاء العالم الذين أحبوه. نأمل أن يعيش إرثه من خلال أعمالنا الصالحة.”
برحيل فرانك كابريو، يطوي القضاء الأمريكي صفحة قاضٍ استثنائي لم يُعرف فقط بقراراته، بل أيضًا بإنسانيته التي ألهمت ملايين الناس داخل الولايات المتحدة وخارجها. وسيظل اسمه حاضرًا كرمز للعدالة الرحيمة، وقامة قضائية نادرة جمعت بين القانون والإنسانية، وبين الصرامة والتعاطف، في زمن قلّ فيه هذا المزج.