نشرت مجلة قضايا التطرف والجماعات المسلحة في عددها الأخير الصادر عن المركز الديمقراطي العربي ببرلين دراسة موسعة بعنوان ”الفكر المتطرف والجماعات المسلحة في العالم العربي.. المنابع الإيديولوجية والاستجابة القانونية”، خلصت إلى أن الشباب يمثلون الفئة الأكثر عرضة للانجذاب نحو الفكر المتطرف، نتيجة خصائصهم العمرية ورغبتهم في الاستقلال ورفض القيم التقليدية. وأكدت أن غياب قنوات مشروعة للتعبير عن تطلعاتهم يفضي إلى تنامي مشاعر الاغتراب والتمرد، وهو ما يجعلهم وقوداً للتطرف العنيف.
وأبرزت الدراسة أن الفكر المتطرف يتسم بالاختزالية والتبسيط، حيث يعزو الظواهر الاجتماعية إلى سبب واحد، مثل ضعف الإيمان أو الانحراف عن العقيدة. كما يتميز بكونه فكراً مطلقاً لا يعترف بالنسبية أو بتغير الظروف، ويقيم الأمور على أساس ثنائيات جامدة، وهو ما يجعله أرضية خصبة لتكوين جماعات متشددة ذات توجهات عنيفة.
وفي استعراضها للجذور الفكرية، أشارت الدراسة إلى مرجعيات أساسية شكّلت ركيزة للتيارات المتطرفة في المنطقة العربية، بدءاً من فكر الخوارج مروراً بفكر سيد قطب، وصولاً إلى قراءات سلفية متشددة استندت إلى التفسير الحرفي للنصوص الدينية.
وأوضحت أن هذا التراث المنحرف أتاح للجماعات المسلحة بناء فلسفة خاصة بها، قوامها التكفير وإلغاء الآخر. ومن بين هذه الجماعات: “التكفير والهجرة” التي أسسها شكري مصطفى سنة 1969 داخل السجون المصرية، و”تنظيم الفنية العسكرية”، و”الجماعة الإسلامية”، و”القاعدة”، التي استمدت مرجعيتها من ابن تيمية والفكر السلفي المتشدد.
وعلى الصعيد القانوني، أوضحت الدراسة أن الاستجابة العربية والدولية لمواجهة هذه الظاهرة ترجمت في منظومة من القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، من بينها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن قرارات مجلس الأمن ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
غير أن الباحث عاصم عزت سعيد قادوس سجل أن هذه الجهود تصطدم بعدة تحديات، أبرزها غياب تعريف موحد لمفاهيم الإرهاب والتطرف، وتطور أساليب الجماعات في استغلال الإنترنت للتجنيد ونشر خطاب الكراهية.
وأكدت الدراسة أن مواجهة الفكر المتطرف لا ينبغي أن تقتصر على المعالجة العقابية والزجرية، بل تستلزم مقاربة شاملة تعالج الأسباب الجذرية للتطرف، وتضمن انسجام التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، دون المساس بالحقوق والحريات الأساسية. كما شددت على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتجفيف منابع هذا الفكر، الذي يهدد الأمن والسلم المجتمعي، ويقوّض الاستقرار في المنطقة العربية.