قدم الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، رؤية حزبه للانتخابات التشريعية المقبلة لعام 2026، مؤكداً أنها يجب أن تشكل “طفرة نوعية ومنعطفاً حاسماً” لمصالحة المغاربة مع الشأن السياسي، ومحذراً من تكرار ما وصفه بـ”تسونامي المال والفساد” الذي شاب انتخابات 2021.
تشخيص الأزمة: “تسونامي المال” وأزمة ثقة عميقة
استهل بنعبد الله كلمته بالتشديد على أن الحديث عن الإصلاحات الانتخابية لا ينبغي أن يقتصر على الجوانب التقنية، بل يجب أن يعالج جوهر الأزمة التي يعيشها المشهد السياسي المغربي. ووصف انتخابات 2021 بأنها شهدت “جبالاً من المال” استخدمت لإفساد الإرادة الشعبية، مما أدى إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
واستعرض أرقاماً مقلقة، مشيراً إلى أن من بين حوالي 28 مليون مغربي في سن التصويت، هناك 18 مليوناً لا يشاركون فعلياً في العملية الانتخابية، إما لعدم تسجيلهم أو لمقاطعتهم يوم الاقتراع. واعتبر هذا العزوف “أمراً مخيفاً” يتطلب وقفة جادة ومعالجة جذرية للأسباب التي أدت إليه، وعلى رأسها الفساد الانتخابي.
مقترحات جذرية لإصلاح المنظومة الانتخابية
طرح بنعبد الله حزمة من المقترحات التي يراها حزبه ضرورية لضمان نزاهة وشفافية استحقاقات 2026، ومن أبرزها:
محاربة الفساد بصرامة حيث دعا إلى إبعاد كل من تحوم حوله شبهات فساد عن المسلسل الانتخابي. وقال بعبارة مباشرة: “كل من فيه رائحة شيء ما، سواء كان متابعاً قضائياً أو في طور التحقيق، يجب إبعاده”. وطالب بفرض عقوبات قانونية صارمة على كل الممارسات الفاسدة، من شراء الأصوات إلى استغلال النفوذ.
إشراف مشترك على الانتخابات، وأيد بنعبد الله في هذا الصدد، التوجيهات الملكية التي أسندت مهمة تنظيم الانتخابات لوزارة الداخلية بحكم إمكانياتها اللوجستية، لكنه شدد على ضرورة أن يتم هذا الإشراف إلى جانب هيئة وطنية وإقليمية تتكون من قضاة وممثلي الأحزاب السياسية لضمان الحياد والشفافية الكاملة.
تمثيلية حقيقية لمغاربة العالم، منتقدا الوضع الحالي لتمثيلية الجالية المغربية، واقترح حلاً جذرياً يتمثل في إحداث دوائر انتخابية خاصة بهم في بلدان المهجر، تتيح لهم انتخاب ممثليهم مباشرة، على غرار العديد من الدول الديمقراطية.
الانتقال من “السعي إلى الثلث” إلى المناصفة الفعلية: بخصوص تمثيلية النساء، اعتبر أن الوقت قد حان لتجاوز الأهداف المرحلية وتطبيق مبدأ المناصفة الذي ينص عليه الدستور بشكل كامل وفعلي في المؤسسات المنتخبة.
دعوة إلى “تعاقد سياسي جديد” وحوار وطني
لم يكتفِ الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية بتقديم مقترحات تقنية، بل دعا إلى إطلاق دينامية مجتمعية واسعة لخلق “مناخ انتخابي جديد”. واقترح في هذا الصدد إبرام “ميثاق شرف” بين الأحزاب السياسية لمحاربة الفساد، وفتح حوار وطني شامل يشارك فيه المجتمع المدني، والحركات الحقوقية والنسائية والشبابية، بهدف خلق “صحوة مواطنة” تعيد للانتخابات مصداقيتها ودورها في بناء الديمقراطية.
تحذير من الخطابات المعادية للديمقراطية
في ختام كلمته، حذر نبيل بنعبد الله بشدة من الأصوات التي تروج لفكرة الاستغناء عن الديمقراطية والأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وتدعو إلى “حكومة كفاءات” غير خاضعة للمساءلة الشعبية. واعتبر هذا الخطاب “خطراً حقيقياً” على البلاد ومخالفاً لروح ونص الدستور، مؤكداً أن تقوية المؤسسات الديمقراطية وتطهيرها من الفساد هو السبيل الوحيد لبناء مسار تنموي متين وتحصين الجبهة الداخلية للوطن.
بهذه الرؤية، يضع حزب التقدم والاشتراكية نفسه في موقع المدافع عن إصلاح عميق وجذري للمشهد السياسي، معتبراً أن انتخابات 2026 ليست مجرد محطة لاختيار أغلبية حكومية، بل فرصة تاريخية لا يمكن تضييعها لإعادة بناء الثقة المفقودة وتوطيد المسار الديمقراطي في المغرب.

