الرئيسية / أقلام الحقيقة / بلعربي يكتب: الخيط الأحمر

بلعربي يكتب: الخيط الأحمر

أقلام الحقيقة
حسن بلعربي 09 سبتمبر 2025 - 16:00
A+ / A-

بلعربي يكتب: الخيط الأحمر

بدأ انقطاع الكهرباء مع مغيب الشمس، والناس في صلاة المغرب، فلم يجدوا إلا ضوء الشموع وفوانيس الزيت ليصدّوا شيئًا من العتمة المتسلّلة إلى الجدران والقلوب.

كانت ليلة شتوية بامتياز؛ المطر يهطل بلا هوادة، والرعد يشق السماء بصرخة مفزعة، والبرد ينهش الأجساد بلا رحمة. ديسمبر… شهر المطر والبرد القارس، كما اعتدناه كل عام.

لم يجرؤ أحد على مغادرة داره تلك الليلة، إلا جدتي… المرأة الوحيدة التي تحدّت غضب السماء، رغم اعتراض والدي الصريح.

قالت بصوتها الأجش، وقد علاه الغضب:

— “لا رحمة في قلوبكم! ذاك المسكين الذي يحرس سياراتكم وسيارات غيركم، عبد الهادي، سيتجمّد من البرد!”

ردّ أبي ساخرًا:

— “وماذا؟ هل تنوين دعوته للنوم عندنا؟”

أجابتها بحزم لا يحتمل المزاح:

— “لا يا ذكي… سأعطيه بطانية أنهيت حياكتها قبل يومين. قطنها فاخر… وستقيه قسوة هذا الليل، كما أتمنى أن يقي قلبه من الوحدة.”

كانت جدتي تغزل البطانيات بمغزلٍ يدوي ورثته عن أمّها، تقول دائمًا:

— “هذا المغزل كل ما بقي لي من إرث والدتي، بعد أن استولى أخي على البقية.”

ثم تنهّدت بحسرة:

— “خسرت أخي… وخسرت الميراث… فبِمَ سيقابل ربّه؟”

وتنساب دموعها في صمتٍ ثقيل.

في تلك الليلة، خرجت جدتي حقًا. سارت وسط المطر حتى سلّمت عبد الهادي البطانية بيديها، وقالت له:

— “لا تنسَ أن تدعو لي… ولوالديّ، أرجوك.”

لم تبتعد كثيرًا، لكنها عادت مبلّلة كأنها خرجت من نهر، وأسنانها تصطكّ من شدة البرد.

نمنا بعد العشاء مباشرة؛ لا تلفاز يسري عنا، ولا إنترنت يسلينا.

كل شيء غارق في السكون، إلا السماء، التي لم تهدأ طوال الليل، وكأنها ترقب شيئًا ما.

قبيل الفجر بقليل، أيقظني صخب في الخارج… هرج ومرج، أصوات مضطربة، والمطر يطرق النوافذ كطبول الحرب. بدا أن أمرًا جللًا قد وقع.

خرجت من غرفتي مسرعًا، وكان أبي قد سبقني، تلته جدتي، فلحقت بهما.

عاد التيار الكهربائي، وانكشفت وجوه المذعورين مجتمعين أمام دكّان “الطاهر”.

سمعت أحدهم يقول بقلق:

— “لقد سُرق الدكّان!”

شقّت جدتي الحشود بخطواتها السريعة، ودخلت إلى الدكّان المبعثر. وقفت إلى جانب “الطاهر”، وواسَت أمه “عائشة”، التي كانت تبكي وتلطم وجهها بأسى، وقالت:

— “لا حول ولا قوة إلا بالله…”

لكن، بينما كانت تحاول إخراج أم الطاهر، وقع نظرها على خيطٍ أحمر رفيع عالقٍ في إطار الباب.

كان من قطنٍ ناعم، عالي الجودة… تعرفه جيدًا.

شهقت فجأة، ارتجف قلبها، ثم صرخت بصوت صارم:

— “الندل… الندل فعلها!”

السمات ذات صلة

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة