على سواحل الصحراء المغربية الخلابة، تتأهب مدينة الداخلة، التي تُعرف بكونها واحدة من أغنى المناطق في العالم بالثروة السمكية، لتحول جذري يهدف إلى ترسيخ مكانتها كقطب اقتصادي وسياحي عالمي.
وفي ذات الصدد وتزامنًا مع الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء في نوفمبر المقبل، تتسارع وتيرة المشاريع التنموية التي تعكس الرؤية المغربية الطموحة للمنطقة.
تعتبر الداخلة مدينة غنية بمواردها، من شواطئها الساحرة التي تجذب السياح إلى ثرواتها السمكية الوفيرة. يقول مصطفى، أحد الصيادين المحليين، وهو يستعد لرحلة صيد أسماك “الأزايز” والسيبيا: “الداخلة من أغنى المدن، إن لم تكن أغنى مدينة في المغرب. غنية سياحيًا، وثروتها السمكية ممتازة، حتى جوها رائع ونشتغل هنا بهذه المدينة البهية منذ سنوات”.
وفي سياق منفصل، وعلى بعد 40 كيلومترًا من الداخلة، في منطقة نائية، يظهر مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يمثل جسرًا حيويًا بطول 1.3 كيلومتر يربط المنطقة اللوجستية للميناء بالميناء البحري.
وحسب مسؤولين فإن هذا المشروع “يدخل في إطار الرؤية الملكية السامية فيما يخص الواجهة الأطلسية وخاصة من أجل التكامل الأفريقي جنوب-جنوب”.
ويُعد الميناء جزءًا أساسيًا من النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، حيث سيلعب “دورًا هامًا من حيث خلق فرص الشغل ورفع وتعزيز التكامل الاقتصادي ما بين جهات الداخلة والذهب والأقاليم الجنوبية المغربية بصفة عامة والعالم الخارجي فيما يخص المبادلات التجارية العالمية”.
ومن المتوقع أن يفتح الميناء أرصفته بحلول عام 2029، بطاقة استيعابية تصل إلى 35 مليون حاوية سنويًا، وبتمويل مغربي إماراتي يتجاوز مليار يورو.
وقد تم تنظيم موقع البناء الضخم هذا كمدينة صغيرة متكاملة، تضم أسواقًا ومساجد ومطاعم، مما يساهم في استيعاب جزء كبير من البطالة المحلية وتعزيز النشاط الاقتصادي للسكان.
وفي سياق آخر، اقترح المغرب منذ عام 2007 مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهي المبادرة التي حظيت بموافقة دولية واسعة، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا، وتشير فرنسا بوضوح إلى أن “حاضر ومستقبل الصحراء هو جزء من السيادة المغربية”.
هذا الاعتراف الدولي شجع المغرب على تكثيف الاستثمار في المنطقة، فالمشاريع التنموية تشمل إعادة تهيئة شبكة الصرف الصحي والطرقات، وإنشاء أحياء جديدة لجذب السكان والمستثمرين، مما أدى إلى ارتفاع عدد السكان إلى 165 ألف نسمة، بزيادة قدرها 50% خلال السنوات العشر الماضية.
ويعد توفير المياه أحد أكبر التحديات في المنطقة، وقد جاء الحل بإنشاء محطة لتحلية مياه البحر بتمويل فرنسي مغربي، على بعد 130 كيلومترًا من الداخلة.
ستوفر هذه المحطة المياه للسكان وللمنطقة الزراعية المقررة إنشاؤها بالقرب منها، مما يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار الداخلي والخارجي.
تُعد هذه المشاريع تجسيدًا لرؤية متكاملة لـ “تطوير الجهة”، كما يصفها أحد المتحدثين، مؤكدًا أن “هذه الإنجازات سواء الدبلوماسية سواء الاقتصادية أنها تستثمر في تطوير الجهة”.
وتتجسد هذه الرؤية بالفعل في افتتاح العديد من القنصليات الجديدة، واعتراف القوى العالمية بقوة المقترح المغربي.
تواصل الداخلة، أو “لؤلؤة الصحراء” كما يحلو للعديد تسميتها، تطوير بنيتها التحتية، وتسعى المملكة المغربية جاهدة لجعلها وجهة سياحية عالمية، تخلق من خلالها فرص عمل جديدة للسكان وللمغاربة الراغبين في الانتقال والعيش في هذه المدينة الصاعدة. ومع استمرار هذه الجهود، تبدو الداخلة على موعد مع مستقبل زاهر.

