في وقت تتسارع فيه نبضات الحياة وتتبدل ألحان الأذواق، ينسج الحاج سعيد برادة، أيقونة الطريقة العيساوية، حكايةً استثنائية، تعيد إحياءها ألوان الفن الأًصيل لتُبهر أجيال الحاضر والمستقبل.  هو فنان يتقن فن مزج الأصالة بالتجديد، ليبث روحًا جديدة في جسد الطريقة العيساوية.

“وُلدت وأنا أحمل هذا الإحساس، هذا الميول الفني هو جزء من طبيعتي”، بهذه الكلمات يختصر برادة رحلة بدأت في سن الثانية عشرة عندما اكتشف والده موهبته الاستثنائية. ففي عائلة برادة العريقة بمدينة فاس، حيث يمتد تاريخ الطريقة العيساوية لأجيال متعاقبة، كان الفن الروحي يجري في العروق كالدم.

يسترجع برادة ذكريات البدايات قائلاً إن والده رفض العودة إلى ممارسة هذا الفن بعد فترة الحماية الفرنسية التي استمرت ثمانية عشر عاماً، حيث توقفت جميع الأنشطة الفنية والروحية. إلا أن القدر شاء أن يكون الابن حلقة الوصل بين الماضي العريق والحاضر المتجدد، حاملاً شعلة التراث لينقلها للأجيال القادمة.

مسيرة التعلم: من التلمذة إلى الإتقان

لم تكن رحلة برادة نحو إتقان الطريقة العيساوية سهلة المنال، فقد تتلمذ على يد كبار أساتذة ومقدمي هذا الفن في مدينة فاس، أمثال المقدم بوزبع والمقدم الشاوي والمقدم بالحاج، رحمهم الله جميعاً. هؤلاء الأساتذة العظام، الذين كانوا يمثلون منارات للعلم والمعرفة الروحية، نقلوا إليه أسرار الفن وعمق المعاني الصوفية والروحية التي تحملها قصائد الطريقة.

وبعد ست سنوات من التعلم المتواصل والممارسة الدؤوبة، وعندما بلغ الحادية والعشرين من عمره، نال برادة شرف الحصول على “المقدمية” – وهي أعلى درجات الإتقان والإجازة في الطريقة العيساوية. هذا التتويج المهم لم يأت عبثاً، بل جاء بعد اجتياز امتحانات صارمة ومعمقة أمام كبار شيوخ الطريقة في مدينة مكناس، حيث كان عليه إثبات حفظه التام للأحزاب والقصائد والتراث الكامل للطريقة.

التحدي المعاصر: إنقاذ تراث من الاندثار

يواجه سعيد برادة في العصر الحديث تحدياً جسيماً يتمثل في تراجع اهتمام الأجيال الشابة بالفنون التراثية والروحية. يعبر عن قلقه قائلاً: “الجيل الحالي لا يستمع لهذا النوع من الفن.. من يستمع إليه؟”. لكن هذا القلق لم يدفعه للاستسلام، بل حفزه على أن يكون المنقذ والحارس الأمين لهذا التراث الثقافي العريق.

يقول برادة بعزيمة راسخة: “قررت ألا أترك الطريقة العيساوية تموت كما ماتت طرق صوفية أخرى. سأبذل كل جهدي بإذن الله لتبقى حية ومزدهرة”. وفعلاً، بدأ في تطوير أساليب جديدة لجذب الجمهور، فاختار القصائد الأكثر سلاسة وسهولة في الفهم، وأدخل إيقاعات متنوعة تناسب الأذن المعاصرة دون أن يفقد الفن جوهره الأصيل.

الحفاظ على الأصالة: بين التطوير والتراث

رغم محاولاته لتحديث الطريقة العيساوية وجعلها أكثر قرباً من الجمهور المعاصر، يحرص برادة على الحفاظ على عمق وأصالة هذا الفن. يشير إلى أن القصائد الكلاسيكية، رغم صعوبة مصطلحاتها أحياناً، تحمل معاني روحية عميقة وتعاليم أخلاقية سامية حول احترام الوالدين وحب الدين والتواضع مع الناس.

يتذكر إحدى القصائد الكلاسيكية قائلاً: “لا تتكبر على العباد الذين رفعوك… كن متواضعاً يا مسكين”. هذه المعاني الروحية العميقة، حسب برادة، هي التي تميز الطريقة العيساوية عن غيرها من الفنون، فهي ليست مجرد موسيقى وإنما مدرسة أخلاقية وروحية متكاملة.

المواسم والاحتفالات: تقليد متجذر

يحافظ برادة على التقاليد العريقة للطريقة العيساوية، خاصة في المواسم الدينية المهمة مثل موسم مولاي إدريس الأكبر في مدينة زرهون وشهر المولد النبوي الشريف. هذه المناسبات تشهد تجمعات كبيرة للمحبين والأتباع، حيث تُقام ليالي فنية تراثية تجمع بين الأصالة والمتعة الروحية.

يصف برادة هذه التجمعات بقوله: “نحن نحيي ليالينا الخاصة، حيث يأتي من يحبنا ليستمع إلينا ويتفاعل معنا، بينما من يريد نوعاً آخر من الفن فله مكان آخر. في ليالينا نقدم الكلام العميق والقصائد الكبيرة”.

التحديات العائلية والمستقبل

رغم تفانيه في خدمة هذا الفن، يواجه برادة تحدياً شخصياً يتمثل في عدم اهتمام أبنائه بمتابعة مسيرته الفنية. فابنه طبيب يعمل في المختبرات الطبية، وابنته مهندسة تعيش في باريس. ورغم فهمهما وتقديرهما لعمل والدهما، إلا أنهما اختارا طرقاً مهنية مختلفة، مما يثير قلق برادة حول مستقبل الفن بعد رحيله.

خاتمة: رسالة للأجيال القادمة

يختتم سعيد برادة رسالته بدعوة الجمهور لمتابعة فعالياته ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن مهمته تتجاوز الأداء الفني لتصل إلى التربية الروحية ونقل القيم الأصيلة للأجيال الجديدة. إنه ليس مجرد فنان، بل حارس أمين لتراث حضاري عريق يحمل في طياته حكمة الأجداد ونور الروحانية المغربية الأصيلة.

في زمن العولمة والتغيرات السريعة، يقف سعيد برادة كمنارة للأصالة، يذكرنا بأن الحفاظ على التراث ليس مجرد واجب ثقافي، بل ضرورة حضارية لا غنى عنها لأي أمة تريد أن تحافظ على هويتها وجذورها العريقة.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store