لكل منا لحظات عاشها، ولكل منا أحداث لاتنسى نسجها في كتاب ذكرياته، ننسنى ونتناسى ولكن تظل كلمة واحدة لثقلها، كلمة واحدة شامخة في وجه النسيان: “الذاكرة”.. لكن ماذا لو كانت هذه الذاكرة محملة بجراح عميقة؟ ماذا لو كانت مخبأة في أدراج مغلقة، أو مدفونة تحت طبقات من الصمت المؤسسي؟
في حوار مؤثر وشهادة عميقة، ألقت فاطمة البيه، المعتقلة السياسية السابقة والكاتبة، الضوء على مسارات الذاكرة في المغرب، مؤكدة على ضرورة تحويل الألم إلى أمل، والبناء على أساس من الحقائق التاريخية والاعتراف. البيه، التي كانت منسقة لبرنامج إصلاح المجتمع في إطار هيئة الإنصاف والمصالحة، تحدثت عن جهود مضنية لتوثيق تاريخ المغرب الحديث، خاصة ما يتعلق بفترة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
بدأت البيه شهادتها بالتعبير عن سعادتها لوجود جيل جديد من الباحثين والناشطين الشباب الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية البحث والتوثيق، معتبرة أن هذا الجهد الجماعي يبعث الأمل في استكمال مسار الذاكرة.
وتطرقت إلى مشروع تحويل المركز السري للاحتجاز في درب مولاي الشريف إلى متحف، مؤكدة أن هذا المشروع يمثل “طريقًا صعبًا” لكنه ضروري لمواجهة الماضي وبناء المستقبل.
أشارت البيه إلى تقرير الخمسين سنة وتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، اللذين كشفا عن التمييز في التنمية البشرية وحقوق الإنسان، معتبرة إياهما نقطتين مفصليتين في تاريخ المغرب.
وأكدت أن المغرب “اعترف من خلال دولته أن المغرب لم يكن مرتاحًا في جلده لمدة 50 عامًا”، وهو ما حمل معه “كل هذا الأمل في تغيير هذا الوضع”
وأكدت الباحثة أنيسة حبان، الفرنسية من أصول مغربية تنحدر من مدينة بركان، والحاصلة على الدكتوراه في الجيوغرافيا، أنها بصدد إنجاز أبحاث معمقة حول التراث والذاكرة، مع تركيز خاص على المؤسسات السجنية العريقة وتجارب المعتقلين السابقين.
وفي تصريح لها خلال ندوة السبت المنصرم، أوضحت حبان أن هدفها الأساسي يتمثل في الاستماع إلى شهادات المعتقلين السابقين، معتبرة أن قصصهم تحمل دلالات إنسانية وحقوقية عميقة.
ومن بين الأسماء الحاضرة في هذه الندوة، حضرت فاطنة البويه، المعتقلة السياسية السابقة بسجن درب مولاي الشريف، حيث ساهمت شهادتها في إغناء النقاش وإبراز معاناة السجناء في تلك الفترة.
وشددت حبان على أن هذه المبادرات تروم تخليد قصص المعتقلين وربطها بالذاكرة الجماعية للأجيال القادمة، حتى يتسنى التعرف على التاريخ الحقوقي بالمغرب بما يحمله من صعوبات ودروس، مع التأكيد على ضرورة تفادي تكرار مثل تلك الانتهاكات مستقبلا.