الرئيسية / نبض المجتمع / نصف المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية.. ومنظومة الرعاية في حالة إفلاس

نصف المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية.. ومنظومة الرعاية في حالة إفلاس

نبض المجتمع
أيمن سلام 11 أكتوبر 2025 - 17:00
A+ / A-

تختلف العوامل المؤدية إلى الاضطرابات النفسية باختلاف السياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها الأفراد. فمن الناحية الاقتصادية، تُعدّ الأوضاع المادية الهشة، والبطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضغط الاستهلاك اليومي من أبرز ما يجعل الأفراد تحت وطأة القلق والتوتر المستمر، مما يضعهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية

ومن الجانب الاجتماعي، فإن غياب الروابط الأسرية، والعزلة عن المحيط، والتمييز والعنف الطبقيين، كلها عوامل تضعف الإحساس بالانتماء، وتؤثر سلبًا على صورة الفرد عن ذاته ومكانته في المجتمع، مما يؤثر على استقراره النفسي

وفي البعد السياسي، الأفراد الذين يعيشون في أوضاع تتسم بانعدام العدالة، وتقييد الحريات، وغياب الثقة في المؤسسات، يُولّد لديهم شعورًا بالعجز وفقدان السيطرة على مصيرهم، وهو ما ينعكس بدوره على صحتهم النفسية. وبذلك، إن المصابين ليسوا حالات فردية معزولة، بل هم نتاج مجتمع، وتفاعل معقّد بين ماهو اقتصاديي واجتماعي وسياسي. أي بين كل تتشكّل من خلاله البيئة العامة لحياة الأشخاص

أهمية الصحة النفسية

يوم أمس العاشر من أكتوبر، هو اليوم العالمي للصحة النفسية، التي تعتبر أساس سلامة وصحة الأفراد، وبالرغم من كونها مهملة، تظل الصحة النفسية للفرد هي المحدد في سلامة جسده

تتحول الاضطرابات النفسية إلى أمراض جسدية مزمنة إذا لم تُعالج مبكراً. وذلك من خلال العلاج النفسي والدعم الاجتماعي والوقاية بالتغذية والنوم المنتظم

ومن أبرز الأمراض والمضاعفات التي قد تنتج عن الاضطرابات النفسية، أمراض ناتجة عن القلق، التوتر والاكتئاب، كارتفاع ضغط الدم أو اضطراب نبضات القلب أو زيادة خطر الجلطات القلبية والدماغية. وكذلك القولون العصبي، أو قرحة المعدة، وقد تؤدي أيضا إلى ضعف جهاز المناعة، أو أمراض جلدية مثل الأكزيما أو الصدفية أو حَب الشباب

وضع الصحة النفسية على مستوى العالم

تفيد بيانات صدرت عن منظمة الصحة العالمية في شتنبر 2025، بوجود أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية مثل حالات القلق والاكتئاب التي تسبب خسائر بشرية واقتصادية هائلة

وفي خطة العمل الشاملة للصحة النفسية 2013-2030، الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، أكد الدكتور تيدروس أدحانوم غيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، بأنه ” لا غنى لأحد منا عن التمتع بالصحة والعافية النفسية حتى نعيش حياة مرضية، ونحقق إمكاناتنا الكاملة، ونشارك مشاركة منتجة في مجتمعاتنا، ونتحلى بالمرونة في مواجهة الضغوط والشدائد”.

وأضاف تيدروس”إن خدمات الصحة النفسية تعد عنصرا أساسيا من عناصر الرعاية الصحية والتغطية الصحية الشاملة. وقد حُددت الصحة النفسية بوصفها مجالا للتنفيذ المعجّل في برنامج العمل العام الثالث عشر لمنظمة الصحة العالمية. ومع ذلك، فمازال هناك الكثير من العمل الذي يتعين إنجازه لضمان أن يتمتع الجميع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة والعافية والنفسية”.

وأكد على أنه “يجب أن تُتخذ الإجراءات لمعالجة عقود من عدم الاهتمام بخدمات ونُظم الصحة النفسية وتخلفها، وانتهاكات حقوق الإنسان والتمييز ضد الأشخاص المصابين بالاضطرابات والأشخاص ذوي اإلعاقة النفسية واالجتماعية”.

الصحة النفسية بالمغرب.. قصور ونفور

جاء في الظهير الشريف رقم 1.58.295 المتعلق بالوقاية من الأمراض النفسية وعلاجها، وبالتحديد المادة 3 من هذا الظهير، “يجب أن يكون لدى كل ولاية مصلحة استشفائية عمومية واحدة على الأقل مُخصّصة حصريًا لعلاج المرضى النفسيين، ويديرها طبيب نفسي. ومع ذلك، في حال لم يُبرّر عدد سكان ولاية إنشاء مصلحة خاصة بها، تُلحق هذه الولاية، بقرار من وزير الصحة العامة، بولاية مجاورة”.

على مستوى أرض الواقع، هذا الأمر ليس عمليًا! إذ يُشير ديوان المحاسبة إلى أن أكثر من نصف العمالات والأقاليم تفتقر إلى مرافق للطب النفسي.

وفق تقرير أنجزته اللجنة الدائمة المكلفة بالقضايا الاجتماعية والتضامن، فإنه “لا يزال ما يقرب عن 48٪ من سعة المستشفيات متركزة في منطقتين: الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي.

كما تمثل مستشفيات الطب النفسي 62٪ من إجمالي الطاقة الاستيعابية، في حين أن الخدمات المدمجة في المستشفيات العامة لا تزال تعاني من نقص الخدمات. وهذا يتحدى توصيات منظمة الصحة العالمية التي تدعو إلى دمج الرعاية النفسية في المستشفيات العامة”.

وحسب ذات التقرير فإن “طب الأطفال النفسي محدود للغاية وغائب تقريبًا في العديد من المناطق، ولا يحتوي إلا على 32 وحدة للمرضى الخارجيين، بما في ذلك 13 عيادة خاصة. تقع هذه الوحدات بشكل رئيسي في الدار البيضاء (12) ومراكش (1). في القطاع العام، ويوجد في أربع مناطق فقط من المملكة المغربية طبيب أو طبيبين نفسيين متخصصين في طب الأطفال: الدار البيضاء-سطات، طنجة-تطوان-الحسيمة، مراكش-آسفي، والعيون-الساقية الحمراء. أما بالنسبة للاستشفاء، فلا تتوفر سوى وحدة واحدة على المستوى الوطني، بسعة لا تتجاوز 16 سريراً”.

نتائج دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئة حول موضوع “الصحة العقلية على المستوى الوطني”
نتائج دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئة حول موضوع “الصحة العقلية على المستوى الوطني”

ومن جهتهم، المواطنون المغاربة لا يتعاطون بجدية مع خطورة الاضطرابات النفسية، وذلك لمجموعة من العوامل من أهمها كون أن زيارة الأخصائيين أو الأطباء في هذا مجال مكلفة جدا، بالإضافة إلى النظرة السائدة التي مفادها أن زيارة مساعد أو طبيب نفسي يُعتبر حمقا وفقدان للعقل.

عدد كبير من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية؛ لا يتلقون علاجًا مختصًا بسبب نقص المختصين وبُعد الخدمات. وقد أشارت الجهات الرسمية إلى أن البنية التشريعية والتنظيمية في هذا المجال قديمة، وهناك نقص في الأطر القانونية والمهنية.

وخلص المجلس االقتصادي و االجتماعي والبيئي إلى أن “موضوع الصحة العقلية يتم تناوله بطريقة قطاعية ومن زاوية المرض العقلي، مع إغفال الدور الأساسي للمحددات السوسيوثقافية للصحة”. وتتسم هذه المحددات بتعددها، إذ تشمل العوامل البيولوجية، والاجتماعية والثقافية (العنف الأسري والاجتماعي، التمييز في حق المرأة، ظروف العمل في الوسط المهني، البطالة، وغير ذلك)”.

هذه المحددات، قد تؤدي بالفرد إلى تحسين صحته العقلية أو إلى العكس من ذلك، أي إلى تدهورها. وذلك حسب درجة هشاشته ومدى تعاطيه مع المخاطر المرتبطة بواقعه الاجتماعي. أما نسبة تأثير العلاجات النفسية على الوضعية الصحية فهي تتراوح ما بين 20 و 30 في المائة فقط.

أرقام ومعطيات

بتاريخ 31 مارس 2022، قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي دراسة حول موضوع “الصحة العقلية على المستوى الوطني”، في إطار إحالة من رئيس الحكومة، تؤكد أنه يظهر حسب المسح الوطني للسكان من 15 سنة فما فوق، “48,9% في المائة من المغاربة يعانون أو قد سبق لهم أن عانوا من اضطراب نفسي أو عقلي في فترة من الفترات.

وفي المقابل، يُسجل خصاص كبير في عدد الموارد البشرية (454 طبيبا نفسانيا) والأسرة الاستشفائية (2431 سريرا)”.

تؤشر هذه الأرقام على ضعف استثمار الدولة في منظومة الرعاية النفسية. وجدير بالذكر، أنه، حسب معطيات منظمة الصحة العالمية لسنة 2021، “لا تتجاوز نسبة مخصصات الصحة العقلية في الميزانيات الوطنية للصحة؛ 2 في المائة”.

وفي تقرير The African Exponent، فإن المغرب يحتل المرتبة الثالثة إفريقيا في معدلات الاكتئاب بعد تونس (7.57٪) وليسوتو (6.89٪). مشيرا إلى نسبة 6.54٪ من سكان المغرب يعانون من الإكتئاب في 2025، أي ما يُقارب 6,258 حالة.

ما هي الصحة النفسية؟

تُعرِّف منظمة الصحة العالمية الصحة النفسية على أنها “حالة العافية التي يحقق فيها الفرد قدراته الذاتية، ويستطيع مواكبة ضغوط الحياة العادية، ويكون قادر على العمل اإليجابي والمثمر، ويمكنه الاسهام في مجتمعه”.

ويُعتبر المرض العقلي أو الاضطراب العقلي حالة من التغيير الذي يطرأ على التفكير والمزاج والسلوك للفرد، مما يتسبب له في المحنة والمعاناة.

ورغم الشعور بحجم المعاناة النفسية والاضطرابات العقلية على الأفراد والأسر والمجتمع، فإن الاستثمار في الصحة العقلية على المستوى الدولي يظل دون مستوى الاحتياجات في هذا المجال.

ويقدر حسب معطيات منظمة الصحة العالمية، ” أن 75 في المائة من الأشخاص المصابين باضطرابات عقلية في البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، لا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية”.

من جهتها، منظمة الأمم المتحدة، تعتبر الصحة العقلية “من مجالات الصحة العمومية الأكثر إهمالا في العالم”. مشيرة إلى أن حصة المساعدات الإنمائية الدولية المقدمة في مجال الصحة النفسية، لا تتجاوز 1 في المائة من إجمالي المساعدات الإنمائية المقدمة في مجال الصحة.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة