هواة مغاربة يحولون كشف المعادن إلى رياضة وطنية لاكتشاف الماضي
لم تعد هواية كشف المعادن مجرد حكر على فئة قليلة، بل تحولت إلى رياضة منظمة وشغف يجمع بين الرجال والنساء والأطفال في مختلف ربوع المغرب. ففي تجمع حاشد لهواة هذه الرياضة في رالي أقيم بمدينة أكادير، عبر المشاركون عن حبهم العميق لهذا المجال الذي يمزج بين النشاط الجسدي، الصبر، والارتباط بتاريخ البلاد الغني.
“هي رياضة مثلها مثل كرة القدم أو السباحة، من حق أي شخص أن يمارسها، سواء كان رجلاً أو امرأة أو طفلاً”، بهذه الكلمات يصف أحد الهواة المخضرمين، الذي يمارس هذا النشاط منذ خمس سنوات، نظرته لهذه الهواية. ويؤكد المشاركون على أن هذا النشاط لا يتم بشكل عشوائي، بل تحكمه قوانين وأخلاقيات صارمة، يأتي على رأسها المحافظة على البيئة.
ويشدد أحد الهواة وهو حميد، على مجموعة من المبادئ التي يلتزمون بها، ومنها: عدم الحفر في المواقع الأثرية المسجلة، الغابات المسيجة، المقابر، أو الأضرحة، احترام الملكية الخاصة، الامتناع عن البحث ليلاً.
أحد الأهداف الرئيسية للمشاركين هو تصحيح الصورة النمطية السائدة التي تربط أجهزتهم بالبحث عن “الكنوز”. ويوضح أحد الممارسين أن “عمق الأجهزة التي نستخدمها لا يتجاوز 25 إلى 30 سنتيمتراً، وهدفنا هو العثور على عملات قديمة وأشياء سطحية نتعرف من خلالها على الحضارات التي مرت ببلادنا، وليس استخراج الكنوز”.
وراء كل هاوٍ قصة فريدة. يروي أحد المشاركين كيف أن عشقه للهواية دفعه في بداياته إلى صنع جهاز كشف معادن بيده للمشاركة في رالي بالدار البيضاء، لعدم قدرته على شراء جهاز باهظ الثمن. والمفارقة أنه فاز بالجائزة الأولى بذلك الجهاز اليدوي، مما منحه دافعاً للاستمرار والتطور في هذا المجال. وتتراوح أسعار الأجهزة المتوفرة في السوق، والتي تهيمن عليها شركات مثل “Minelab” و”Garrett” و”Nokta” التركية، بين 2000 و30 ألف درهم، وهو ما يأمل الهواة أن يتم تخفيضه لجعل الهواية في متناول الجميع.
ولم يعد هذا المجال حكراً على الرجال. تحكي إحدى المشاركات كيف دخلت هذا العالم عن طريق زوجها، وسرعان ما تحول الأمر إلى شغف خاص بها. وتقول: “كنت أرى أنها هواية للرجال فقط، لكن بعد تجربتها اكتشفت متعتها. فزت بجهازي الخاص في إحدى المسابقات، ومنذ ذلك الحين بدأت أشارك تجاربي عبر فيديوهات شجعت الكثير من النساء على الانضمام”. وتضيف بفخر: “كما ترون، العنصر النسوي حاضر بقوة اليوم، وحتى الأطفال يشاركوننا هذا الحب”.
الهواية ليست مجرد رياضة جسدية، بل هي رحلة ثقافية عبر الزمن. فكل قطعة نقدية أو أثر قديم يتم العثور عليه يمثل نافذة على حقبة تاريخية مرت بها المنطقة.
وتشارك إحدى الهاويات قصتها مع اكتشاف استثنائي قائلة: “كنت من المحظوظات، وربما أول امرأة عربية تجد عملة ذهبية نادرة، وهي دينار مرابطي يعود لعهد يوسف بن تاشفين”. وتصف تلك اللحظة بـ”التاريخية”، حيث زادتها تشبثاً بالهواية ورغبة في المزيد من الاستكشاف.
فيما يروي هاوٍ آخر عثوره على عملة للملك الأمازيغي ماسينيسا في مناطق زعير، وهو اكتشاف يربطه بتاريخ المغرب قبل وصول الرومان. ويقول: “كل منطقة لها تاريخها وعملاتها الخاصة، وهذه الهواية تجعلنا نتعرف على الحضارات التي مرت من هنا بشكل مباشر”.
في نهاية المطاف، يجمع هؤلاء الهواة على أن هذه الرياضة هي وسيلة للترويح عن النفس والخروج من ضغوط الحياة اليومية، واكتشاف مناطق جديدة وساحرة في وطنهم، والأهم من ذلك، بناء جسر معرفي يربطهم بتاريخ أجدادهم، عملة بعملة، وأثراً بأثر.