الرئيسية / نبض المجتمع / رقية امرأة فاسية حاربت الاكتئاب بالفرشاة وصنعت من جراحها أجنحة

رقية امرأة فاسية حاربت الاكتئاب بالفرشاة وصنعت من جراحها أجنحة

رقية الوزاني
نبض المجتمع
فبراير.كوم 23 أكتوبر 2025 - 21:00
A+ / A-

رقية امرأة فاسية حاربت الاكتئاب بالفرشاة وصنعت من جراحها أجنحة

ليست كل القصص تبدأ في أكاديميات الفنون الجميلة. بعضها يبدأ في بيت فاسي عتيق، جدرانه مكسوة بالزليج البلدي، وقبته منقوشة بالخشب المزوق. وبعضها يبدأ متأخراً، حين تقرر امرأة في منتصف العمر أن تحارب ظلامها الداخلي بأبسط الأسلحة: ورقة وألوان.

وفي حديثها لموقع ” فبراير” تقول رقية وهي امرأة رقيقة الظل على الرغم من كبر سنها، “كانت البداية عفوية، كما تحدث أجمل الأشياء في الحياة. أوراق متناثرة، وأقلام ملونة يشتريها لها ابنها، وحنين عميق لطفولة عاشتها بين أزقة فاس العتيقة” متابعة نها كانت تمر بين دار الدباغين حيث تُصبغ الجلود بألوان الأرض والسماء، وتتأمل في العطارين حيث تصطف التوابل كلوحة فنية طبيعية، وتقف مبهورة أمام أضرحة مولاي إدريس المزينة بالزليج الذي يحكي قصص أجيال.

لكن الحياة لم تكن دائماً بهذه البهجة. جاءت رحيل الحسن الثاني كصدمة أغرقتها في بحر من الاكتئاب. ثم جاءت كورونا لتزيد من عزلتها. في تلك اللحظة الحرجة، قررت رقية ألا تستسلم. قالت لنفسها: “شنو غنبقى ندير؟ صبر نبدا نرسم عاوتاني ونشوف على الله.” وهكذا، صارت اللوحة صلاتها، والفرشاة سبحتها.

تتحدث بشغف عن تلك الفترة التي خرج فيها الاكتئاب من روحها مع كل ضربة فرشاة. “بديت كنرسم، بديت ننسى ذاك الشي اللي كان عندي، خرج مني الاكتئاب ما بقاش فيا.” لم يكن الرسم مجرد هواية، بل كان علاجاً، وخلاصاً، وولادة جديدة.

ورثت رقية الفن كما يُورث الدم. كان والدها صانعاً تقليدياً يصنع البلغة والشربيل بمهارة حرفي عاشق. كانت تجلس إلى جانبه، تطرز بالسقلي الملون، تزين الأحذية بخيوط من ذهب وفضة وقرمزي. كل غرزة كانت درساً في الصبر، وكل لون كان حكاية. حتى سروج الخيل والقفاطين التقليدية مرت بين يديها، تحمل بصمتها الفنية.

لكن الرسم على اللوحات كان شيئاً مختلفاً تماماً. عندما رأى أبناؤها تلك الأوراق المرسومة ملقاة في البيت، أدركوا أن أمهم تحمل موهبة تستحق أن تُرى. بدأوا يشترون لها اللوحات، وبدأت هي تحول آلامها إلى جمال. كل لوحة كانت رحلة في ذاكرتها: هنا زقاق من فاس القديمة، وهناك قبة مزينة بالزليج، وفي الزاوية امرأة تحمل إبريقاً نحاسياً يلمع تحت شمس المغرب.

تعمل رقية بحدس فني نادر. تختار الألوان دون تردد، وكأن يداً خفية ترشدها. “كنبدا نشوف اللون اللي ماشي والمني واللي عجبني كنصوبه.” لا تحتاج إلى مسودات أو تخطيطات مسبقة. ترسم من القلب مباشرة، وكأن اللوحة كانت موجودة دائماً، تنتظر فقط أن تظهر على القماش.

يراها ابنها، الصانع التقليدي هو أيضاً، بعين الخبير العارف. يقول بفخر: “جمعت بين الأمازيغ، بين الفن الصحراوي، بين الفن الفاسي، بين الفن الرباطي.” في لوحاتها، يلتقي المغرب بكل تنوعه وغناه. الزرابي الأمازيغية تتجاور مع الزليج الفاسي، والألوان الصحراوية الدافئة تمتزج مع زرقة البحر الأطلسي.

ما يميز رقية ليس فقط موهبتها الفنية، بل الروح التي تبثها في عملها. قبل أن تبدأ الرسم، تذكر الله، تسبح وتستغفر. تقول إن اللوحة تخرج من القلب، محملة بذكريات قد تعود لخمسين عاماً. منظر شاهدته، حالة عاشتها، حلم داعبها. كل شيء يتحول تحت فرشاتها إلى حكاية مرئية.

حفيدتها حفيظة ترافقها أحياناً إلى محلات بيع اللوحات، وعندما تشتري لها جدتها لوحة صغيرة، ترسم هي أيضاً، محاولة أن تتبع خطى امرأة حولت الألم إلى جمال. “تبارك الله عليها، كترسم وتقول لي: ها أنا رسمتها.”

اليوم، لم تعد رقية تلك المرأة المحطمة التي اجتاحها الاكتئاب. صارت فنانة تحكي المغرب بريشتها، تحفظ التراث بألوانها، وتلهم كل من يمر بأزمة أن الفن يمكن أن يكون خلاصاً. قصتها ليست عن الرسم فقط، بل عن الصمود، عن الأمل، عن امرأة قررت ألا تستسلم وصنعت من جراحها أجنحة.

في كل لوحة ترسمها رقية، ثمة قطعة من فاس، من طفولتها، من آلامها، ومن انتصارها. وفي كل ضربة فرشاة، رسالة لكل من ضاقت به الدنيا: أن النور موجود دائماً، حتى في أحلك الظلمات، ينتظر فقط يداً شجاعة تمسك بقلم وترسم.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة