تعد العلاقات بين المغرب وموريتانيا، نموذج واعد للتعاون الإقليمي، حيث تشهد وتيرة متسارعة من الشراكات والمشاريع المشتركة التي تتجاوز الخطابات الدبلوماسية التقليدية لتتحول إلى واقع ملموس على الأرض، مدفوعة بمصالح اقتصادية مشتركة ورؤية استراتيجية تستشرف مستقبل المنطقة.

وفي هذا السياق، تشهد العلاقات بين البلدين تطورا ملحوظا خلال السنوات الماضية، خاصة على المستوى الاقتصادي، مع تبادل مكثف للزيارات بين المسؤولين. وقد شكلت الزيارة الخاصة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني إلى المغرب في ديسمبر الماضي حدثا استثنائيا، إذ تعد الأولى من نوعها لرئيس موريتاني في السلطة إلى المملكة منذ نحو عقدين ونصف العقد.

ما يميز هذه المرحلة أن المغرب أصبح أول مستثمر إفريقي في موريتانيا، وهو ما يعكس حجم التحول النوعي في طبيعة العلاقات بين البلدين. ورغم أن نواكشوط تسعى من خلال علاقات متوازنة مع المغرب والجزائر إلى الحفاظ على مصالح المنطقة وتعزيز التعاون الإقليمي، فإن الدينامية الحالية تشير إلى انتقال تدريجي من الحياد الصارم إلى شراكة فعلية مع المملكة.

الربط الكهربائي

في خطوة استراتيجية بامتياز، وقّع المغرب وموريتانيا في فبراير 2025 اتفاقية للربط الكهربائي بين البلدين، في مشروع يحمل أبعادا تتجاوز نقل الطاقة.

يوفر الربط الكهربائي مع المغرب – الذي ينفذ مشاريع مماثلة مع إسبانيا والبرتغال وفرنسا وألمانيا – لموريتانيا بديلاً استراتيجياً في مجال الطاقة، يتيح لها الحصول على إمدادات الكهرباء من المملكة والاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل تفاقم التوترات في غرب إفريقيا وحالة عدم اليقين التي تهدد بوقف إنتاج الكهرباء في منشآت حيوية تابعة لمنظمة استثمار نهر السنغال.

تصنف موريتانيا ضمن الأغلى في أسعار الكهرباء بالمنطقة، وتسعى لتخفيض الكلفة باستيراد الطاقة، كما يتوقع أن تستفيد من تجربة المغرب في الإنتاج الكهربائي، لا سيما أنه يغطي جميع مناطقه بالكهرباء، ويسعى إلى إنتاج 52% من احتياجاته عبر الطاقة المتجددة بحلول 2030.

خطوط سككية وطرقية: جسور نحو المستقبل

أعلنت الحكومة الموريتانية خلال الأسبوع الجاري عن حزمة مشاريع في مجال البنية التحتية تشمل إنشاء خط سككي يربط بين منطقة الشوم التي تقع على الحدود مع الصحراء المغربية وأكجوجت، الغنية بالثروات المعدنية، والعاصمة نواكشوط.

ينتظر أن يعزز هذا الخط مكانة موريتانيا كجسر تجاري بين شمال إفريقيا وغربها، ما من شأنه أن يعود بالفائدة على المغرب أيضًا، بالنظر إلى أنه يمهد الطريق لتتحول نواكشوط إلى بوابة لتصدير المنتجات المغربية إلى دول غرب القارة عبر مسارات لوجستية محسنة.

بالموازاة مع ذلك، يواصل المغرب ترسيخ موقعه الاستراتيجي بين إفريقيا وأوروبا عبر مشاريع تنموية كبرى في أقاليمه الجنوبية، أبرزها الطريق الجديدة التي تمر عبر مدينة السمارة وتربط المملكة بموريتانيا.

التعاون البحري: ثروات مشتركة ورؤية موحدة

في مجال الصيد البحري، شهدت العلاقات تطوراً نوعياً. وقع المغرب وموريتانيا 3 اتفاقيات لتعزيز التعاون في مجال الصيد البحري بين البلدين خلال فبراير 2025.

شملت الاتفاقية الأولى مجال المراقبة الصحية والبيطرية، أما الثانية فتتعلق بمجال البحث البحري، وتشمل تنفيذ أنشطة وأبحاث مشتركة خلال الفترة بين عامي 2025 و2026. بينما تخص الاتفاقية الثالثة مجال التكوين البحري، وتهدف إلى تطوير برامج ذات جودة عالية، وإحداث تكوينات جديدة متعلقة بمهن تحويل منتجات الصيد البحري.

يُعد المغرب من الدول الرائدة في قطاع الصيد البحري على مستوى القارة الأفريقية، حيث تصدّر الإنتاج الأفريقي لعام 2024 بحجم بلغ نحو 1.42 مليون طن، محتلا المرتبة 13 عالمياً.

التعاون العسكري والأمني: دعامة الاستقرار

في البعد الأمني والعسكري، شهد اجتماع اللجنة العسكرية المختلطة المغربية الموريتانية في نوفمبر 2024 استعراض حصيلة سنة 2024 وتحديد الأنشطة التي يمكن إدراجها ضمن برنامج التعاون برسم سنة 2025.

أشاد المسؤولان العسكريان بالتعاون المغربي – الموريتاني المتميز وبحصيلته الإيجابية في مختلف المجالات، لاسيما الأمن والدفاع والتكوين، وكذا تبادل التجارب والخبرات، مؤكدين على ضرورة تعزيز التعاون بشكل أكبر بين القوات المسلحة بكلا البلدين في مجال أمن الحدود ومكافحة الهجرة والأعمال غير المشروعة العابرة للحدود.

الدينامية الاقتصادية: أرقام واعدة

نظم الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين والاتحاد العام لمقاولات المغرب، في فبراير الماضي بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، الدورة الثالثة للمنتدى الاقتصادي الموريتاني المغربي، بمشاركة أكثر من 300 من رجال الأعمال المغاربة والموريتانيين العاملين في مختلف القطاعات.

يمتلك المكتب المغربي للبحوث المعادنية واستغلالها 2.35 في المئة من شركة الوطنية للصناعة والتعدين (القوة القائدة لاقتصادية موريتانيا)، التي تستخرج خام الحديد وتدعم أكثر من 5,000 من الأسر الموريتانية. كما حصلت شركة مغربية أخرى، DRAPOR، وهي شركة تابعة للمكتب المغربي لتطوير الموانئ، على عقد توسيع ميناء نواكشوط.

تحديات ومحددات العلاقة

رغم هذا الزخم الإيجابي، تبقى هناك حساسيات سياسية تحكم العلاقة. أثارت زيارة الرئيس الموريتاني إلى المغرب تكهنات حول إمكانية لعب نواكشوط دورًا وساطيًا في التوترات بين الجزائر والرباط، خاصة أن الزيارة جاءت بعد أيام من زيارة الرئيس الجزائري إلى موريتانيا.

تؤكد موريتانيا أن موقفها من النزاع في الصحراء بين الرباط وجبهة البوليساريو “حيادي” يهدف بالأساس للعمل من أجل إيجاد حل سلمي للقضية يجنب المنطقة خطر التصعيد، وهو موقف يصفه خبراء بـ”الحياد الإيجابي” الذي يحافظ على علاقات “جيدة” مع الرباط.

آفاق مستقبلية واعدة

يرى خبراء أن “الاقتصاد هو مفتاح العلاقة بين البلدين”، حيث ستحاول موريتانيا الحفاظ على “التوازن العام” في علاقاتها مع المغرب والجزائر، وهو التوازن نفسه الذي تنتهجه في سياستها الخارجية.

يفقد عسكر مالي، بتخلي موريتانيا المحتمل عن إمدادات الكهرباء من منشآت حيوية، ورقة ضغط على نواكشوط، آخر حليف لفرنسا في دول الساحل الإفريقي، فيما يشتد الاستقطاب الإقليمي والدولي في المنطقة.

هناك رأي سائد بين الخبراء بأن الاعتراف بمغربية الصحراء يصب في مصلحة موريتانيا بشكل أكبر، حيث ستستفيد من التعاون مع المملكة التي رسخت مكانتها كقوة اقتصادية وعسكرية صاعدة في المنطقة.

نموذج للتعاون جنوب-جنوب

العلاقات المغربية الموريتانية اليوم تمثل نموذجاً واقعياً للتعاون جنوب-جنوب، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الضرورات الأمنية والطموحات التنموية. من الربط الكهربائي إلى الخطوط السككية، ومن التعاون البحري إلى التنسيق العسكري، تبني الرباط ونواكشوط شراكة استراتيجية قد تغير وجه المنطقة.

وفي ظل التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، يبدو أن موريتانيا تدرك جيداً أن مستقبلها الاقتصادي والأمني مرتبط بشكل وثيق بعلاقاتها مع المغرب، دون أن يعني ذلك التخلي عن سياستها التقليدية القائمة على التوازن. لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن هذا التوازن بدأ يميل بوضوح نحو شراكة أعمق وأكثر استراتيجية مع المملكة المغربية، في تطور قد يعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة المغاربية وغرب إفريقيا بأكملها.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store