وصف القيادي السابق في الجبهة، مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، المظاهرات الأخيرة داخل مخيمات تندوف بأنها “مسرحية فاضحة” تكشف حجم الأزمة التي تعيشها الجبهة في صفوف قاعدتها الشبابية والذكورية.
وفي تدوينة نشرها على حسابه بمواقع التواصل الاجتماعي، أشار ولد سيدي مولود إلى أن القيادة باتت “تختبئ خلف النساء والأطفال بعدما تخلّى عنها الشباب والرجال”، في إشارة واضحة إلى أن المظاهرات الأخيرة شهدت مشاركة محدودة اقتصرت على النساء والأطفال وكبار السن، مع غياب ملحوظ لفئة الشباب والرجال الذين كانوا يشكلون عصب التعبئة الجماهيرية في السابق.
وأضاف القيادي المنشق، في لهجة ساخرة ممزوجة بالمرارة، أن “القيادة التي كانت تتغنى بحماية النساء والأطفال، عادت اليوم لتحتمي بهم”، معتبرًا أن هذا التحول يعكس “إفلاسًا سياسيًا وأخلاقيًا” لقيادة فقدت مصداقيتها لدى الأجيال الجديدة.
وحذّر ولد سيدي مولود من أن “شحن العاطفة لدى البسطاء لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإحباط في صفوف ساكنة المخيمات التي ترزح تحت وطأة اللجوء، وقيادة فاسدة فاشلة، وظروف معيشية قاسية”، مشيرًا إلى أن الجبهة تحاول استغلال مشاعر السكان لتغطية فشلها السياسي والعسكري.
واستحضر القيادي السابق “هبّة شباب المخيمات أواخر سنة 2020″، تلك اللحظة التي شهدت تعبئة واسعة للشباب عقب إعلان الجبهة استئناف الأعمال القتالية ضد المغرب، والتي تحوّلت – بحسب تعبيره – إلى “خيبة وانكسار”، حيث لم تُحقق الجبهة أي إنجاز عسكري ملموس، رغم الوعود الكبيرة التي أطلقتها آنذاك.
وأشار ولد سيدي مولود إلى أن الشباب الذين انخرطوا في تلك الهبّة “أدركوا اليوم حجم الخداع الذي مورس عليهم”، وأن غيابهم عن المظاهرات الأخيرة يعكس “فقدان الثقة التام” في قيادة الجبهة وخطابها.
مصطفى سلمى ولد سيدي مولود (57 عامًا)، ليس منتقدًا عابرًا أو صوتًا هامشيًا. فالرجل كان يشغل منصبًا أمنيًا حساسًا كقائد للشرطة داخل جبهة البوليساريو، قبل أن يُحدث زلزالًا سياسيًا في العام 2010، حين أعلن دعمه لفتح نقاش داخلي حول مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب كحل لنزاع الصحراء.
هذا الموقف “الجريء” كلّفه غاليًا، حيث تعرّض للاعتقال من قبل قيادة البوليساريو، قبل أن يُفرج عنه تحت ضغط دولي مكثّف. ومنذ ذلك الحين، استقر ولد سيدي مولود في موريتانيا، حيث تحوّل إلى أحد أبرز الأصوات المعارضة لسياسات الجبهة، مستخدمًا منصات التواصل الاجتماعي منبرًا لفضح ما يعتبره “فساد وفشل” القيادة.
تدوينة ولد سيدي مولود الأخيرة تطرح أسئلة جوهرية حول حالة الجبهة الداخلية. فغياب الشباب والرجال عن المظاهرات لا يمكن اختزاله في مجرد “تراجع تعبئة”، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بمصداقية المشروع السياسي للجبهة، وقدرتها على إقناع الأجيال الجديدة بجدوى الاستمرار في نهج عسكري لم يُحقق أي تقدم منذ عقود.
كما أن لجوء القيادة إلى “تسييس النساء والأطفال” في المظاهرات يُثير تساؤلات أخلاقية وسياسية، خصوصًا في ظل ظروف معيشية صعبة تعيشها ساكنة المخيمات، والتي تزداد سوءًا مع مرور الوقت.
انتقادات مصطفى سلمى ولد سيدي مولود ليست الأولى من نوعها، لكنها تأتي في توقيت حساس، حيث تتزايد الأصوات المنشقة داخل المخيمات، وتتعالى الاحتجاجات ضد سوء الإدارة والفساد وغياب الأفق السياسي.
القيادي السابق، الذي دفع ثمن جرأته سنة 2010، يواصل اليوم رفع صوته من منفاه الموريتاني، مذكّرًا قيادة البوليساريو بأن “الاختباء خلف النساء والأطفال” لن يحميها من غضب شعب بدأ يُدرك أن الوعود الكبيرة تحوّلت إلى سراب، وأن زمن الخطابات الحماسية الفارغة قد ولّى.