كشف محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال ندوة وطنية حول تحولات الحقل الحزبي، عن مسار تاريخي حافل بالمنعطفات الحاسمة، من نشأة الحزب كرد فعل على هيمنة أحزاب اليسار، مروراً بـ”مجزرة انتخابية” عاشها الحزب، وصولاً إلى تبني منهجية علمية غير مسبوقة في التواصل مع المواطنين.
استهل أوجار حديثه بالعودة إلى سياق تأسيس التجمع في أواسط السبعينات، حيث رأى الملك الراحل الحسن الثاني ضرورة إنشاء قوة سياسية جديدة لمواجهة هيمنة الأحزاب اليسارية على الشارع والإعلام والجامعة. جاء التجمع بتشكيلة من رجالات الدولة ورجال الاقتصاد والأعيان، ممثلاً جيلاً جديداً من القيادات ذات التكوين الأكاديمي، في مقابل القادة التقليديين للأحزاب القائمة.
وأوضح أن الهدف كان استثمار الديناميكية التي خلقتها المسيرة الخضراء لإطلاق مسلسل سياسي جديد، لكن التجربة لم تكن سهلة بسبب “إرادة الدولة العميقة في إنشاء أحزاب أخرى”.
في لحظة مفصلية من تاريخ الحزب، روى أوجار كيف قرر التجمع عدم الالتحاق بـ”الوفاق” (التكتل اليميني) الذي أراد إدريس البصري تشكيله لمواجهة الكتلة، وذلك انسجاماً مع توجه الحزب نحو عدم الانخراط في الاستقطاب الحزبي التقليدي.
النتيجة كانت قاسية: “وقعت مجزرة انتخابية في حق كثير من القيادات”، حيث لم تتقبل الإدارة آنذاك أن ينتفض الأعيان على قرارها ورغبتها. كان هذا درساً قاسياً للحزب الناشئ في طبيعة اللعبة السياسية.
شكل الصراع على رئاسة البرلمان منعطفاً تاريخياً، حيث بدأت مفاوضات الملك الراحل مع الكتلة بعد رفض أحمد عصمان قيادة تجربة حكومة الكتلة. اتخذ التجمع قراراً صعباً بالتصويت ضد مرشح الأطر (الحزب ذي التوجه الاستقلالي)، معلناً استقلالية القرار الحزبي.
كان انتخاب عبد الرحمن اليوسفي إيذاناً بمسار جديد عُرف بـ”حكومة التوافق”، مسار وصفه أوجار بأنه يستحق دراسة أكاديمية معمقة بعيداً عن المواقف المسبقة.
وانتقد أوجار “التدمير المتواصل للمؤسسة الحزبية”، مشيراً إلى أن الأحزاب اليوم تُنتقد من طرف الدولة والمواطنين على حد سواء، دون أن تنال ما تستحق من عناية الجامعات والبحث العلمي الأكاديمي.
وأشار إلى ثلاث تحولات كبرى تواجه العمل الحزبي:
– تراجع الإقبال على الانتخابات وتجاهل شريحة واسعة من الناس للعملية الانتخابية
– صعود شبكات التواصل الاجتماعي كفاعل أساسي في الحياة السياسية
– تغير منظومة القيم نحو الفردانية والاعتماد على الذات
كشف أوجار عن تجربة رائدة خاضها التجمع تمثلت في تنظيم “أكبر عدد من جلسات الاستماع العمومي في تاريخ المغرب”، شملت لقاءات في القرى والمداشر والمدن والجهات، مدعومة بمكاتب دراسات متخصصة وأسئلة مباشرة وغير مباشرة.
وساق أمثلة مدهشة من نتائج هذه الاستطلاعات: “في معاقل الأمازيغية مثل أكادير وخنيفرة والناضور، لم تأت الأمازيغية في ترتيب أولويات اللغات، بل اختار الناس الإنجليزية براغماتياً للبحث عن الشغل، وكذلك الفرنسية”.
هذه المنهجية العلمية سمحت بفهم حقيقي لأولويات المواطنين وأنتجت مسارات جهوية متمايزة بناءً على احتياجات كل منطقة.
أوضح أوجار أن التحول شمل التدبير الداخلي للحزب من خلال:
– عقود نجاعة مع كل مسؤول حزبي تحدد عدد المنخرطين والمرشحين والنجاحات المتوقعة
– منظومة معلوماتية تسمح بمتابعة دقيقة للأداء
– مخاطبة قطاعات جديدة من المهندسين والأطباء والمحامين
– إدماج رجال الأعمال الذين يجلبون مهارات المقاولة والتدبير الحديث
وختم بالتأكيد على أن “التحدي الكبير” يتمثل في تحويل هذا التراكم والأفكار إلى برنامج قابل للتنفيذ يقدم للمواطنين.