يشكل حضور المرأة في الإعلام إحدى القضايا المركزية في مسار ترسيخ المساواة والمناصفة داخل المغرب، وهي النقطة التي شدد عليها محمد مهدي بنسعيد، وزير الثقافة والشباب والتواصل، خلال مشاركته في المنتدى البرلماني الثاني للمساواة والمناصفة.
فقد اعتبر الوزير أن تحقيق المناصفة لا يمكن النظر إليه باعتباره مطلبا حقوقيا فقط، ولا قضية اجتماعية فحسب، بل هو خيار استراتيجي وضرورة ملحّة لأي مجتمع يسعى إلى إقلاع تنموي حقيقي وشامل، مؤكدا أن إقصاء نصف الطاقات الوطنية أو تهميشها هو رهان خاسر في كل الحالات، وأن رفع هذا التهميش لا يتحقق إلا من خلال تعزيز حضور المرأة في فضاءات القرار، وفي مقدمتها الإعلام.
وأوضح بنسعيد أن التجربة المغربية خلال العقود الأخيرة أبرزت أن تمثيل النساء داخل المؤسسات المنتخبة والحكومة أعطى نتائج مهمة وغنى النقاش العمومي، وأن مشاركة المرأة في صياغة القرار السياسي أضافت زوايا جديدة للنظر وأسهمت في جعل السياسات العمومية أكثر واقعية وارتباطا بالاحتياجات الحقيقية للمجتمع. غير أن هذا التقدم، وفق الوزير، يظل رهينا بقدرة الإعلام على التحرر من الصور النمطية التي ما تزال تحيط بالمرأة، وعلى تقديم حضورها وأدوارها في سياقها الطبيعي، بعيدا عن التنميط أو الحصر في أدوار ثانوية.
وأشار الوزير إلى أن وزارة الثقافة والشباب والتواصل عملت خلال السنوات الماضية على مراجعة الطريقة التي يتم بها تقديم المرأة في الإنتاج الثقافي والفني والإعلامي، من خلال تفكيك الصور السلبية المتوارثة والارتقاء بصورة المرأة باعتبارها فاعلاً حقيقياً في المجتمع.
وشدد على أن الوزارة حرصت على إبراز النماذج النسائية الناجحة في مختلف المجالات، بما يعزز الثقة لدى الأجيال الصاعدة ويخلق مساراً طبيعياً للتمكين السياسي والاجتماعي. وفي السياق نفسه، أكد أن الإعلام العمومي يتحمل مسؤولية مباشرة في هذا المجال، باعتباره صلة الوصل بين الإرادة السياسية والواقع المجتمعي، وباعتباره الوسيلة الأكثر تأثيرا في تشكيل الوعي الجماعي وتمثلات الناس لمفهوم المناصفة.
وأبرز بنسعيد أن التمكين السياسي للنساء لا يمكن فصله عن توفير منصات للتعبير الحر والمسؤول، خاصة بالنسبة للشابات اللواتي يمثلن الجيل الجديد من قيادات المستقبل. وأوضح أن الوزارة تعمل على دعم الجمعيات الشبابية والنسائية، وتأطير الكفاءات الإعلامية الشابة، وتوفير فضاءات آمنة للنقاش وتبادل الخبرات، حتى يكون للمرأة حضور إعلامي مبني على الكفاءة والمهنية، لا على الاستثناء أو الاستدعاء الموسمي في مناسبات احتفالية. وأضاف أن الاستثمار في القيادات النسائية الشابة هو استثمار في مستقبل الحياة الديمقراطية، وفي جودة النخب السياسية والإدارية خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذا التقدم، لم يخف الوزير وجود تحديات كبيرة ما تزال تعيق المشاركة الكاملة للنساء في الحياة السياسية والإعلامية، وعلى رأسها ضعف تفعيل بعض الآليات القانونية المتعلقة بالمناصفة، واستمرار بعض الأعراف والسلوكيات التي تخلق حواجز غير مرئية أمام النساء، سواء داخل الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة أو وسائل الإعلام. كما أشار إلى أن الإعلام مطالب بالتحرر من النزعة الاحتفالية التي تقتصر على يوم 8 مارس أو مناسبات مماثلة، والانتقال إلى تغطية مستمرة تعكس حضور المرأة اليومي في التشريع واتخاذ القرار وتدبير الشأن العام.
وأكد بنسعيد أن المنتدى البرلماني للمساواة والمناصفة مناسبة لإعادة التفكير في الأدوار التي يجب أن تضطلع بها وسائل الإعلام في بناء مجتمع أكثر عدلاً ومساواة، ومناسبة كذلك لدعم السياسات العمومية التي تجعل من تمثيلية النساء داخل المؤسسات رافعة للتنمية.
وختم الوزير بأن التنمية التي يتطلع إليها المغرب لا يمكن أن تتحقق إلا بمشاركة جميع مكونات المجتمع، وأن تمكين المرأة في الإعلام وفي السياسة هو استثمار رابح للدولة والمجتمع على حد سواء، لأنه يعيد التوازن إلى الفضاء العمومي، ويجعل السياسات العمومية أكثر حساسية لاحتياجات المواطنين وأكثر قدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية العميقة.

