الرباط ولندن.. تحالف “ما بعد بريكست” يرسم خريطة طاقية واقتصادية جديدة

تشهد العلاقات المغربية البريطانية طفرة نوعية غير مسبوقة، متجاوزة حدود التبادل التجاري التقليدي لتصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. فمنذ خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، تحولت الرباط إلى حليف لا غنى عنه للندن في شمال إفريقيا، بينما وجدت المملكة المغربية في بريطانيا شريكاً موثوقاً لتنويع تحالفاتها الدولية ودعم مشاريعها العملاقة.

اقتصاد “ما بعد بريكست”.. أرقام قياسية

أثبتت اتفاقية الشراكة الموقعة بين البلدين نجاعتها، حيث تضاعفت المبادلات التجارية بشكل لافت. وأصبحت المنتجات الفلاحية المغربية، من طماطم وفواكه حمراء، ركيزة أساسية للأمن الغذائي البريطاني، معوضة النقص القادم من الأسواق الأوروبية التقليدية.

وفي المقابل، تسعى بريطانيا لتعزيز حضورها في السوق المغربية، لا سيما في قطاعات الخدمات المالية، والتكنولوجيا، وصناعة الطيران، مستفيدة من موقع المغرب كبوابة ولوج رئيسية نحو الأسواق الإفريقية الواعدة، في إطار الرؤية الملكية لتنمية الواجهة الأطلسية.

“إكس لينكس”.. مشروع القرن الطاقي

لعل العنوان الأبرز لهذه الشراكة هو مشروع “إكس لينكس” (Xlinks) العملاق، الذي يهدف إلى ربط المغرب ببريطانيا عبر أطول كابل بحري في العالم لنقل الكهرباء النظيفة. هذا المشروع، الذي يحظى بدعم حكومي قوي في لندن، لا يمثل فقط حلاً لأزمة الطاقة في بريطانيا بتوفير حوالي 8% من حاجياتها الكهربائية، بل يكرس المغرب كقوة عظمى في مجال الطاقات المتجددة عالمياً.

التعاون الطاقي يمتد أيضاً ليشمل الهيدروجين الأخضر، حيث تنظر الشركات البريطانية إلى المغرب كمنصة مستقبلية لإنتاج وتصدير هذا الوقود الحيوي، تماشياً مع “عرض المغرب” الذي أطلقته الحكومة لتشجيع الاستثمار في هذا القطاع.

البنية التحتية و”مونديال 2030″

مع استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، تتسابق الشركات البريطانية الرائدة في مجال الهندسة والبناء للفوز بصفقات تصميم وتشييد الملاعب والبنية التحتية المرافقة. الخبرة البريطانية في تدبير الفعاليات الرياضية الكبرى وتطوير السكك الحديدية تجد لها صدى واسعاً في الأوراش المفتوحة بالمملكة، وهو ما يعزز فرص التعاون التقني ونقل الخبرات.

التقارب السياسي وملف الصحراء

على الصعيد السياسي، يلاحظ مراقبون تقارباً متزايداً في وجهات النظر. وهناك حراك قوي داخل البرلمان البريطاني ومراكز القرار في لندن يدفع نحو اعتراف صريح بمغربية الصحراء، سيراً على نهج الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا.

الدبلوماسية البريطانية الواقعية ترى في مبادرة الحكم الذاتي الحل الأكثر مصداقية وجدية، وهو ما يعكسه توالي الزيارات الدبلوماسية ونمو الاستثمارات البريطانية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، ما يُعد اعترافاً اقتصادياً ضمنياً يمهد لخطوات سياسية أكثر جرأة.

التعليم واللغة الإنجليزية.. جسر ثقافي

لا يقتصر التعاون على الاقتصاد والسياسة، بل يمتد ليشمل “القوة الناعمة”. يشهد المغرب إقبالاً غير مسبوق على اللغة الإنجليزية، مدعوماً بافتتاح فروع لجامعات بريطانية عريقة (مثل جامعة كوفنتري) ومدارس دولية. هذا التحول يعكس رغبة مغربية في الانفتاح على النموذج الأنجلوساكسوني في التعليم والبحث العلمي، مما يسهل اندماج الكفاءات المغربية في السوق العالمية.

إن مسار العلاقات بين الرباط ولندن يؤكد أن البلدين يتجهان نحو بناء “محور استراتيجي” يربط شمال أوروبا بغرب إفريقيا. ومع استمرار تدفق الاستثمارات وتطابق الرؤى السياسية، يبدو أن المستقبل يحمل مزيداً من الاندماج بين المملكتين العريقتين، في شراكة عنوانها “الربح المشترك” والبراغماتية السياسية.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store