يعيش تجار ومهنيو قطاع النسيج والألبسة التقليدية بالأقاليم الجنوبية للمملكة حالة من الغليان “غير المسبوق”، إثر تطبيق إدارة الجمارك المغربية بمعبر الكركرات لزيادات “صاروخية” ومفاجئة في الرسوم الجمركية المفروضة على استيراد “الملاحف” و”الدراريع” القادمة من الجارة الموريتانية، هذا القرار، أثر على الأسواق المحلية في العيون والداخلة والسمارة، بات يهدد بكساد تجاري واسع وبأزمة اجتماعية تمس جيوب الأسر الصحراوية.
وأفادت مصادر مهنية بأن الشاحنات المحملة بالزي التقليدي النسائي (الملاحف) والرجالي (الدراريع) وجدت نفسها أمام تسعيرة جمركية جديدة عند النقطة الحدودية الكركرات، تفوق بكثير ما كان معمولاً به في السابق.
وأكد عدد من المستوردين أن هذه الزيادة، التي لم يسبقها أي إشعار أو تدرج، جعلت من عملية التخليص الجمركي عبئاً مالياً “تعجيزياً”، مما اضطر البعض إلى تكديس بضائعهم في المنطقة العازلة أو التفكير في إعادتها للمصدر.
ولا تعتبر “الملحفة” في الصحراء مجرد قطعة قماش، بل هي رمز للهوية الثقافية وجزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للمرأة الصحراوية.
وفي هذا السياق، صرح (م.ع)، أحد تجار “سوق الجمال” بالعيون، قائلاً: “نحن لا نستورد كماليات، الملحفة هي لباس يومي ضروري. الزيادة في الجمارك تعني حتماً ارتفاع السعر النهائي على المواطن، الذي يعاني أصلاً من تضخم الأسعار. هامش ربحنا بسيط، وهذه الرسوم الجديدة قد تدفعنا للإفلاس”.
ويضيف المتحدث ذاته أن الملاحف المستوردة من موريتانيا (والتي غالباً ما تكون مستقدمة من أسواق آسيوية أو مصبوغة حرفياً في موريتانيا) لا يوجد لها بديل محلي، حيث تفتقر المنطقة لمصانع نسيج قادرة على إنتاج هذا النوع من اللباس بخصوصياته الفنية والتقنية التي تتقنها اليد العاملة في موريتانيا ودول الساحل.
وتقول فاطمتو، وهي تاجرة جملة تستورد بضاعتها عبر الكركرات: “لم نستوعب ما حدث، كنا ندفع رسوما معقولة تتيح لنا هامش ربح بسيط يتناسب مع القدرة الشرائية لنساء المنطقة. اليوم، تضاعفت تكلفة التعشير ثلاث مرات تقريباً. الشاحنة التي كانت تكلفنا مبلغاً معيناً، أصبحت تتطلب ميزانية ضخمة للإفراج عنها، وهذا يعني أن سعر الملحفة الواحدة سيرتفع”.
صدى الأزمة وصل سريعاً إلى الرباط، حيث سارع نواب برلمانيون عن الأقاليم الجنوبية إلى مساءلة الحكومة، فقد وجه النائب البرلماني عن إقليم السمارة، مولاي الزبير حبدي، سؤالاً إلى وزير الصناعة والتجارة، محذراً من التداعيات الاقتصادية لهذا الإجراء.
البرلماني اعتبر أن هذا القرار “لم يراعِ خصوصية المنطقة”، مشيراً إلى أن غياب وحدات صناعية محلية لإنتاج الزي الحساني يجعل الاستيراد ضرورة لا خياراً، وطالب ممثلو الأمة بضرورة التدخل العاجل لمراجعة هذه التسعيرة، حماية للقدرة الشرائية للمواطنين وحفاظاً على الرواج التجاري الذي يعتبر شريان الحياة لآلاف الأسر في الأقاليم الجنوبية.
وبينما تلتزم إدارة الجمارك الصمت الرسمي حول حيثيات القرار – الذي يرجح مراقبون أنه يندرج ضمن إجراءات حمائية وطنية أعم أو لتقنين الاستيراد – يطالب الفاعلون الاقتصاديون في الصحراء بمعاملة تفضيلية تراعي البعد الثقافي والاجتماعي للمنطقة.
ويرى خبراء اقتصاديون محليون أن الحل الجذري لا يكمن فقط في خفض الرسوم، بل في تشجيع استثمار حقيقي يخلق وحدات إنتاجية محلية للملاحف والدراريع بمدن الصحراء، مما سيغني السوق عن الاستيراد ويوفر فرص شغل للشباب، بدلاً من الاعتماد الكلي على المعبر الحدودي الذي يبقى رهيناً للتقلبات الجمركية والإجراءات الإدارية.
إلى حين إيجاد حل، تبقى عيون النساء الصحراويات معلقة على أسواق الملابس، متخوفات من أن يصبح زيهن التقليدي “عملة نادرة” أو عبئاً ثقيلاً على ميزانية الأسرة.

