أقدمت جبهة “البوليساريو” الانفصالية، عبر منابرها الإعلامية، على تسريب ما أسمته “الوفد الصحراوي الرسمي للمفاوضات”، وذلك رغم الغياب التام لأي مؤشرات أممية أو إعلان رسمي عن قرب انعقاد “طاولة مستديرة” جديدة تجمع الأطراف الأربعة الرئيسية (المغرب، الجزائر، موريتانيا، والبوليساريو).
تشكيلة الوفد.. هروب إلى الأمام؟
كشفت المصادر المقربة من الجبهة أن الوفد “المفترض” يضم قيادات من الصف الثاني ومسؤولين اعتادوا الحضور في المحطات السابقة، حيث يترأس الوفد محمد سالم ولد السالك، بمعية محمد يسلم بيسط، وسيدي محمد عمر (المنسق مع المينورسو)، ومولود سعيد، إضافة إلى فاطمة المهدي التي سبق لها المشاركة في محادثات جنيف.
ويأتي هذا الإعلان الأحادي في وقت يلتزم فيه ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بمقاربة التريث، مؤكداً انتظاره لنسخة محدثة ومفصلة من مبادرة الحكم الذاتي المغربية، ومعتبراً أن المشاركة في المفاوضات هي المعيار الحقيقي لجدية الأطراف، وهو ما يجعل خطوة الجبهة تبدو كمحاولة لملء الفراغ الدبلوماسي.
ضغط أممي ومكاسب مغربية
لا يمكن فصل هذا التحرك عن الدينامية الجديدة التي يشهدها مجلس الأمن الدولي، خاصة بعد اعتماد قرارات تكرس سمو مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي وواقعي وحيد. وقد كان دي ميستورا واضحاً حين اعتبر أن “عزماً دولياً جديداً” يتشكل لطي هذا الملف، مشدداً على أن الانخراط في المسار السياسي لا يعني القبول المسبق بالنتائج، بل هو استجابة للإرادة الدولية.
وفي هذا السياق، يبدو أن استباق “البوليساريو” للأحداث يأتي كمحاولة للالتفاف على الضغط الدولي الذي يدفع بقوة نحو حل سياسي تحت السيادة المغربية، خاصة وأن واشنطن ودولاً كبرى باتت ترى في الحكم الذاتي “الحل الأمثل”.
تكتيك “لملمة الجراح”
وفي قراءته لهذا المستجد، اعتبر عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكاووتش”، في تصريحه، أن إعلان الجبهة عن وفدها يشكل “تحولاً تكتيكياً لافتاً” فرضته العزلة الخانقة التي يعيشها المشروع الانفصالي ومن ورائه النظام الجزائري.
وأوضح الكاين أن هذا الإعلان يتناقض بشكل صارخ مع المواقف السابقة للجبهة التي رفضت القرار الأممي رقم 2797، مشيراً إلى أن ما يجري هو محاولة “لإعادة التموضع” وتفادي الظهور بمظهر المعرقل للسلام أمام المنتظم الدولي.
ويرى المتحدث ذاته أن الكشف عن الأسماء في هذا التوقيت يندرج ضمن استراتيجية جزائرية تهدف إلى “كبح التقدم الدبلوماسي المغربي”، وخلق وهم بوجود دينامية تفاوضية موازية، للتغطية على الأزمات الداخلية ومحاولة تسويق صراعات وهمية إقليمياً، لاسيما مع مساعي الجزائر للترشح لعضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي.
المعضلة الاستراتيجية
وخلصت القراءات السياسية إلى أن قيادة الرابوني تواجه اليوم “معضلة وجودية”؛ فمن جهة، ترفض الإطار المرجعي الأممي الذي ينسف أطروحة الانفصال، ومن جهة أخرى، تجد نفسها مجبرة على إبداء “جاهزية وهمية” للتفاوض لتجنب الإدانة الدولية.
وبينما يتحدث دي ميستورا عن “مفاوضات واقعية”، تقدم البوليساريو وفداً لمحادثات غير موجودة، في خطوة وصفها مراقبون بأنها “محاولة للملمة الجراح” واعتراف ضمني بأن قطار الحل النهائي قد انطلق فعلاً، وعلى سكة الحكم الذاتي المغربي حصراً.