أثار حكم قضائي صادر عن المحكمة الابتدائية بمدينة الجديدة، يقضي بإلزام زوج بالعودة إلى بيت الزوجية، نقاشًا واسعًا في الأوساط القانونية والمجتمعية، بعدما فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود المسؤولية الزوجية، ودور القضاء في تدبير النزاعات الأسرية، وحدود التدخل القضائي في العلاقات ذات الطابع الشخصي.
وفي هذا السياق، أعلنت منظمة ماتقيش ولدي أنها تابعت باهتمام بالغ هذا الحكم، معتبرة، في بلاغ لها، أن الأسرة تشكل الخلية الأساسية للمجتمع، وأن استقرارها ينعكس بشكل مباشر على التوازن النفسي والاجتماعي للأطفال، الذين يجب أن تظل مصلحتهم الفضلى في صلب أي اجتهاد قضائي أو إجراء قانوني.
وأوضحت المنظمة أن الواجبات الزوجية، كما تنص عليها مدونة الأسرة، لا تختزل في الالتزامات المادية، بل تقوم أساسًا على المعاشرة بالمعروف، والتعاون، وتحمل المسؤولية المشتركة داخل الأسرة.
واعتبرت أن محاربة التخلي غير المبرر عن المسؤولية الأسرية تظل مبدأً مشروعًا، خاصة عندما يكون الأطفال عرضة لعدم الاستقرار أو الإهمال.
وشددت الهيئة الحقوقية ذاتها على أن تدخل القضاء في هذا النوع من القضايا ينبغي أن يظل مؤطرًا بروح التوازن، مع مراعاة الكرامة الإنسانية والسلامة النفسية والجسدية لجميع الأطراف، مؤكدة أن مصلحة الطفل الفضلى يجب أن تبقى المرجع الأساسي في الأحكام والإجراءات المرتبطة بقضايا الأسرة.
وفي الوقت ذاته، دعت “ماتقيش ولدي” إلى إعطاء الأولوية لآليات الوساطة الأسرية والمواكبة النفسية والاجتماعية، باعتبارها وسائل أساسية لإيجاد حلول توافقية ومستدامة قبل اللجوء إلى أي إلزام قضائي.
واعتبرت أن الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالجديدة يظل اجتهادًا قضائيًا مرتبطًا بوقائع خاصة، ولا يمكن اعتباره قاعدة عامة، بل يتعين التعامل مع كل حالة على حدة وفق ظروفها وسياقها الإنساني والاجتماعي.
وليس هذا الحكم الأول من نوعه، إذ سبق لقسم قضاء الأسرة بمدينة مراكش أن أصدر حكمًا مماثلًا، عدد 334 بتاريخ 6 فبراير 2020، في الملف رقم 2182/1610/2019، قضى بدوره بإلزام زوج بالعودة إلى بيت الزوجية.
وبحسب تعليل الحكم السابق، فإن الزواج يرتب حقوقًا وواجبات متبادلة بين الزوجين، في مقدمتها المساكنة الشرعية، وتحمل مسؤولية تسيير شؤون البيت ورعاية الأطفال، وهي الالتزامات التي لا تتحقق إلا بإقامة الزوجين معًا تحت سقف واحد.
كما اعتبر الحكم أن عدم حضور الزوج للاستدعاء القضائي يشكل إقرارًا ضمنيًا بخروجه من بيت الزوجية دون مبرر مشروع، في مخالفة لواجبات المعاشرة بالمعروف.
وأضاف الحكم أن الغرامة التهديدية تهدف إلى إجبار المحكوم عليه على التنفيذ، مذكرًا بأن مغادرة أحد الزوجين لبيت الأسرة دون موجب قاهر لمدة تتجاوز شهرين يمكن أن تُعد إهمالًا للأسرة، وهو ما يترتب عنه جزاءات جنائية وفق القانون الجنائي، تشمل الحبس والغرامة، فضلاً عن التعويض.
ويعكس هذا الجدل المتجدد حساسية قضايا الأسرة داخل المجتمع المغربي، ويطرح من جديد إشكالية التوفيق بين حماية الكيان الأسري، وصون الحقوق الفردية، وضمان ألا يتحول الاجتهاد القضائي إلى مساس بالحرية الشخصية أو الكرامة الإنسانية.