“خلافاً للصورة النمطية السائدة عن وضعية المرأة في المجتمعات القبلية التقليدية، يُشكل المجتمع الصحراوي (مجتمع البيظان) استثناء سوسيولوجيا مثيرا للدهشة. فبينما يُنظر للمرأة في بيئات مشابهة كتابع، تتربع المرأة الصحراوية على عرش المكانة الاجتماعية بسلطة العرف والتقاليد قبل القوانين. إنها ظاهرة فريدة حيث يمتزج فيها الدلال المفرط بالمسؤولية الكاملة، وحيث تُعتبر إهانة المرأة ‘عاراً’ يلاحق القبيلة بأكملها. هذا المقال يغوص في عمق هذه العلاقة المتفردة، ليكشف كيف تحولت ‘مولاة الخيمة’ من مدبرة منزلية إلى قائدة مجتمعية.” حسب كتابات تاريخية.
لا تكتمل الصورة عن المجتمع الصحراوي دون فهم مركزية المرأة فيه. فالثقافة الحسانية تمنح المرأة هامشاً واسعاً من الحرية والتقدير، يبدأ من طفولتها ولا ينتهي بتقدمها في السن، حيث تتحول إلى “مرجعية” للقبيلة.
وفي هذا الصدد، يصرح الأستاذ محمد سالم، الباحث في التراث والثقافة الحسانية، لـ”فبراير”، قائلاً: “إن مكانة المرأة في مجتمعنا ليست وليدة القوانين الحديثة فحسب، بل هي متجذرة في العرف القبلي. الرجل الصحراوي يتربى على مقولة ‘الخيمة للمرأة’، وهذا لا يعني الملكية المادية فقط، بل يعني أنها المؤسسة السياسية والاجتماعية الأولى. لا يُبرم أمر عظيم ولا يُحل نزاع دون العودة إلى مشورتها. إنها باختصار ‘وزيرة الداخلية’ و’وزيرة المالية’ في التنظيم التقليدي للأسرة.”
لم تكتفِ المرأة الصحراوية بمكانتها التقليدية، بل استثمرت مناخ الانفتاح والتنمية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية لتقتحم مجالات كانت حكراً على الرجال. تشير الإحصائيات الأخيرة إلى تصاعد ملحوظ في نسب تمثيل النساء في المجالس المنتخبة، وإدارة المقاولات الصغرى والمتوسطة.
تقول السيدة “فاطمتو”، وهي فاعلة جمعوية ورئيسة تعاونية نسائية بمدينة العيون: “لقد تجاوزنا مرحلة المطالبة بالحقوق إلى مرحلة ممارسة الواجبات القيادية. اليوم، المرأة الصحراوية تدير مشاريع مدرة للدخل، تصدر الكسكس والزيوت ومنتجات الصناعة التقليدية إلى الخارج. نحن نستخدم تراثنا، كصناعة الحصير والخيام، لنخلق منه اقتصاداً عصرياً يعيل أسراً بأكملها. الملحفة التي نرتديها لم تكن يوماً عائقاً أمام طموحنا، بل هي هويتنا التي نتميز بها في المحافل الدولية.”
ثقافياً، تمتلك المرأة الصحراوية أدواتها الخاصة للتعبير، ولعل أبرزها شعر “التبراع”، وهو نمط شعري نسائي خالص، تتغزل فيه المرأة بالرجل أو تعبر عن شجونها بجرأة فنية راقية، وهو ما يعكس استقلاليتها العاطفية والفكرية.
وعن هذا الجانب، توضح الطالبة الجامعية والناشطة الثقافية “السالكة”:“التبراع ليس مجرد شعر، بل هو دليل على أن المرأة في مجتمعنا تمتلك صوتاً مسموعاً. قديماً كانت الجدة والام تعبر عن رأيها شعراً، واليوم نحن الفتيات نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لنشر ثقافتنا وتصحيح المغالطات. نحن فخورات بأننا ننتمي لمجتمع لا يخجل من صوت المرأة، بل يطرب له.”
رغم هذه الصورة المشرقة، لا يخلو الواقع من تحديات تواجهها المرأة الصحراوية في سعيها للمواءمة بين تسارع العولمة والحفاظ على الخصوصية الثقافية.
يختتم الحاج إبراهيم، حديثه معنا بنبرة تفاؤل ممزوجة بالحرص: “نحن مطمئنون على مستقبل مجتمعنا ما دامت نساؤنا متمسكات بالقيم. الخوف ليس من التطور، فالمرأة الصحراوية كانت دائماً متطورة وتتحمل المسؤولية في غياب الرجل للرعي أو التجارة قديماً. التحدي اليوم هو أن تظل ‘الخيمة’ هي المدرسة الأولى للأخلاق، والمرأة هي الضامن الوحيد لهذا الاستمرار.”
وتظل مكانة المرأة الصحراوية ثابتة كالراسيات. إنها تجسيد حي لمعادلة صعبة: كيف يمكن للمرأة أن تكون محافظة ومتحررة في آن واحد، تدير بيتها بحكمة الجدات، وتدير مؤسستها بعقلية المدير التنفيذي الحديث.