هناك لحظاتٌ تبدو فيها الجيوسياسة أقلَّ شبهاً بنقاشٍ فكري، وأكثرَ شبهاً بانتقالٍ في ساحات القرار. فالقرارات لا تُتخذ دائماً حيث نتوقع، ولا ضمن القوالب المألوفة. و«مجلس السلام» الذي أراده الرئيس دونالد ترامب يندرج تماماً ضمن هذا المنطق: مبادرة وُلدت على خلفية غزة، وقدّمت كأداةٍ للاستقرار، لكنها — من حيث شكلها وطموحها — تطرح أسئلةً حول التوازن بين الفاعلية السياسية والشرعية متعددة الأطراف.
بالنسبة إلى المغرب، ليست المسألة فقط: «هل نشارك أم لا؟» — وقد جاء الجواب سريعاً. المسألة الحقيقية هي: كيف نشارك دون أن نفقد ذلك التوازن الاستراتيجي الذي يصنع قوة دولةٍ متوسطة، ودون أن نُتلف شراكاتٍ حيوية، وفي مقدمتها الشراكة مع أوروبا.
آليةُ تثبيتٍ للاستقرار… قد تتحول إلى هندسةِ قوة
على الورق، تبدو فكرةُ إنشاء جهازٍ دولي لتنسيق إعادة الإعمار، والحكامة الانتقالية، والأمن في مرحلة ما بعد النزاع، استجابةً لحاجةٍ ملموسة: تفادي الفراغ السياسي، وتشتت المساعدات، واستدامة عدم الاستقرار. لكن مثل هذه البُنى ليست محايدةً أبداً؛ فهي تُنشئ تراتبيةً بين من يقررون، ومن يمولون، ومن ينفذون، وتعيد رسم علاقات النفوذ.
هنا تبدأ الازدواجية: أداةُ سلام يمكن أن تصبح أيضاً أداةَ قوة، خصوصاً إذا حملتها دبلوماسيةٌ أكثرُ “تعاقدية”، أسرع، وغالباً أكثر عمودية. والنتيجة: آليةٌ قادرة على الفاعلية، لكنها مُثيرة للجدل تحديداً لأنها تُربك شيفرات التعددية التقليدية.
لماذا سارعت الرباط؟ لأن الأهم هو أن تكون داخل الغرفة التي تُكتب فيها المعايير
اختار المغرب الدخول مبكراً، وهذا خيارٌ عقلاني. ففي ملفات “التثبيت” والاستقرار، للغياب كلفةٌ باهظة: إذ يفرض على الدولة أن تتلقى معايير يضعها الآخرون (أولويات الإعمار، نمط الحكامة الانتقالية، الترتيبات الأمنية، دور الفاعلين المحليين… إلخ). صحيحٌ أن الحضور لا يضمن الفوز، لكنه يمنح على الأقل إمكانية التأثير.
ويزداد هذا الاختيار فهماً حين نلاحظ أنه يترافق — من الجانب المغربي — مع ضبطٍ سياسي واضح: التشديد على سلامٍ عادل، تذكيرٌ بمعايير التسوية، ويقظةٌ كي لا يُستبدل الاقتصاد بالسياسة. بمعنى آخر: المشاركة نعم، لكن دون التخلي عن العمود الفقري للدبلوماسية.
الخليج ومصر: مُخفّفٌ سياسي… لا درعٌ كامل
وجود عددٍ من دول الخليج ومصر داخل هذا المجلس يغيّر صورةَ المبادرة؛ إذ يقلل خطر قراءةٍ تبسيطية قد تسعى لعزل بلدٍ ما عبر تصويره “منحازاً” لواشنطن. عندما تجلس حول الطاولة عواصم عربية وازنة — ممولون محتملون، وسطاء، ودولٌ معنية بحكم الجغرافيا — تكتسب المبادرة طابعاً أكثر جماعية.
بالنسبة للرباط، يعمل ذلك كعامل امتصاص: لا تبدو الخطوة المغربية قراراً منفرداً، بل مشاركةً داخل إطارٍ تريد فيه عواصم عربية كبرى أيضاً التأثير في “اليوم التالي” للحرب ومنع سيناريوهات خطيرة (فوضى مستدامة، نزوح، حكامة مفروضة بلا ارتكاز محلي).
لكن هذا “المخفف” لا يلغي الجوهر: أوروبا تحكم على الشكل بقدر ما تحكم على المضمون. وأوروبا ليست شريكاً هامشياً للمغرب؛ إنها شريكٌ إنساني واقتصادي وأمني وتاريخي. الروابط التجارية والاستثمارية، والجالية، والحركية، والتعاون الأمني والهجرة، كلها عناصر تؤطر المصلحة الوطنية المغربية. لذلك ليست المسألة “مواجهة أوروبا”، بل طمأنتها وتوضيح المعنى.
أوروبا: الخطر ليس القطيعة… بل “مُهيّجٌ” دائم
ثمة فرقٌ جوهري بين ضغطٍ سياسي ظرفي وبين مُهيّجٍ دائم. قد يقبل شركاء أوروبيون مشاركةَ دولةٍ في مبادرة أمريكية، خاصةً إذا كانت تستهدف تثبيت الاستقرار عملياً. لكنهم يتصلّبون إذا بدا لهم أن الآلية تُلتفّ على قواعد التعددية، أو أنها ذات حكامةٍ غامضة أو شديدة التخصيص حول شخصٍ واحد، أو أنها تتمدد بلا قاعدة دولية واضحة.
لا يكسب المغرب شيئاً من تغذية هذا الاشتباه. بل على العكس، مصلحته أن يكرر فكرة بسيطة: ينبغي أن يبقى هذا المجلس أداةً تشغيلية مكمّلة، لا بديلاً سياسياً عن الأمم المتحدة. إنها صياغةٌ دبلوماسية رصينة، قابلة للدفاع، ومتوافقة مع العلاقات المغربية–الأوروبية ومع تقليد المغرب في البحث عن توازنات.
غياب روسيا والصين: لا تُستبدل الأمم المتحدة… لكن يمكن الالتفاف عليها
يتكرر قولٌ مفاده: ما دامت روسيا والصين لا تنخرطان، سيكون من الصعب الادعاء بأن هذا المجلس “يستبدل” الأمم المتحدة. فبدون انخراطٍ واسع يضم دائمي مجلس الأمن، تبقى الشرعية الكونية بعيدة. وتظل الأمم المتحدة — شئنا أم أبينا — الإطار العالمي الوحيد حقاً.
لكن يجب الحفاظ على دقةٍ استراتيجية: لا تُستبدل الأمم المتحدة، لكن يمكن الالتفاف عليها. يكفي أن تنتقل بعضُ القرارات والتمويلات والتحالفات والتحكيمات إلى بنيةٍ موازية، ولو جزئياً، ولو كانت موضع اعتراض. هكذا تضعف المؤسسات: لا عبر اختفائها قانونياً، بل عبر انتقالٍ تدريجي لمركزيتها.
وهذا بالضبط ما يفرض على الرباط تجنب موقفين متطرفين: شيطنةُ المبادرة بوصفها “ضد الأمم المتحدة”، أو احتضانُها كـ“نظامٍ جديد”. الموقف المفيد هو موقف “التأطير”: المشاركة، مع اشتراط وضوح العلاقة بالإطار الدولي.
بوصلة الصحراء: عامل واشنطن… بلا اعتمادٍ مفرط
سيكون سذاجة فصلُ هذه اللحظة عن السياق الاستراتيجي العام. فقد جعل المغرب من قضية الصحراء بوصلةً لدبلوماسيته. وضمن هذا المنظور، تكتسب العلاقة مع واشنطن أهميةً خاصة، لأن المواقف الأمريكية تؤثر في ميزان القوى الدولي، ولأن إدارة ترامب لعبت — في الماضي — دوراً حاسماً.
لكن البوصلة ليست قيداً. إنها تشير إلى الاتجاه ولا ينبغي أن تُغلق الخيارات. خطرُ أي بلدٍ هو الاعتماد المفرط: تحويل دعمٍ قوي إلى نقطة توازن وحيدة. أما الاستراتيجية الناضجة فتقوم على تثبيت دعائم متعددة، وتنويع الشراكات، وبناء تقاطعات مع أوروبا، ومع إفريقيا، ومع شركاء عرب — مع الحفاظ على قناةٍ مميزة مع واشنطن.
الخطوط الحمراء: مفتاحُ الوفاء للمبادئ مع الحفاظ على الفاعلية
لو أردتُ تلخيص العقيدة المغربية الأكثر صلابة في هذا السياق، فهي تقوم على ثلاثة خطوط حمراء:
(1) ولايةٌ محدودة وهدفٌ واضح؛
(2) لا انزلاق إلى مسارٍ أمني مُتصاعد؛
(3) إعادة إعمارٍ بأفقٍ سياسي.
هذه الخطوط لا تُغلق الأبواب، لكنها تمنع أن تتحول المشاركة في المجلس إلى “انخراطٍ على بياض”.
خاتمة: المشاركة للتأثير… والتأطير للحماية
كان المغرب محقاً في أن يكون حاضراً؛ فغيابه كان سيعني خياراً سلبياً في ملفٍ تُصنع فيه التحالفات وتُحدد الأولويات الملموسة. لكن الرهان الحاسم يبقى هو التوازن: حماية العلاقة المغربية–الأوروبية، تفادي المُهيّج الدائم، وتثبيت خطٍ واضح بشأن الشرعية الدولية والأفق السياسي.
في زمنٍ تتبدّل فيه الساحات، ليست أفضل استراتيجية أن تختار “معسكراً”، بل أن تلتزم “منهجاً”: أن تكون هناك، أن تؤثر، وأن تُبقي زمام التأطير بيدك — لأن الدول المتوسطة نادراً ما تنجح بالقوة، وغالباً ما تنجح بالدقة.