خلص تقرير حديث صادر عن “مركز ستيمسون” للأبحاث (Stimson Center)، ومقره واشنطن، إلى أن الفواصل التقليدية بين منطقة شمال إفريقيا والحزام الساحلي قد تلاشت نهائياً، ليحل محلها “نظام إستراتيجي واحد” يتسم بتداخل أمني واقتصادي وبشري غير مسبوق. وأكد التقرير أن الصحراء الكبرى، التي كانت تُعتبر تاريخياً حاجزاً طبيعياً، أصبحت اليوم “ممرراً حيوياً” تتداول عبره الموارد والتهديدات، وتربط أمن أوروبا مباشرة بالعمق الإفريقي.
أوضح التقرير المعنون بـ “المتوسط، شمال إفريقيا، الساحل: نظام إستراتيجي واحد”، أن الديناميات الأمنية في المنطقة لم تعد تسمح بالتعامل مع كل جغرافيّة بشكل منفصل. فقد أدى انهيار الدولة في ليبيا بعد عام 2011، وصعود تنظيم “داعش”، وعدم الاستقرار في مالي، إلى تشكيل ما وصفه بـ “المجمع الأمني الإقليمي الواحد”.
وفي هذا الفضاء المترابط، تنتقل الأزمات “أفقياً” عبر حوض المتوسط و”عمودياً” عبر رمال الصحراء، حيث تستغل الجماعات الإرهابية والفاعلون المسلحون ضعف حضور الدولة والحدود المنفتحة، مما يجعل أي اضطراب في نقطة نائية من الساحل يرتد بسرعة على الأمن القومي لدول الشمال الإفريقي ومن ثمَّ أوروبا.
وبعيداً عن الهاجس الأمني، أشار “ستيمسون” إلى أن هذا الفضاء يتم نسجه اليوم عبر شبكات مادية معقدة؛ فخطوط أنابيب الطاقة، وترابطات الكهرباء، وممرات الهيدروجين، والكابلات البحرية للبيانات، خلقت حالة من “الاعتماد المتبادل” بين أوروبا وإفريقيا.
هذا الترابط الرقمي والمادي، رغم كونه محفزاً للتعاون، إلا أنه يزيد من “التعرض للمخاطر”؛ إذ إن أي انقطاع في هذه الشبكات الحيوية، سواء لأسباب سياسية أو أمنية، ينتقل أثره فوراً عبر الأنظمة الإقليمية، مما يفرض على صانعي القرار رؤية شاملة تتجاوز التقسيمات التقليدية للخرائط.
وسلط التقرير الضوء على وجه آخر لهذا الترابط يتمثل في “الاقتصاد السياسي غير الرسمي”؛ حيث أسست شبكات تهريب الذهب، والوقود، والأسلحة، والبشر لأنظمة “حكم هجينة” تربط مناطق النزاع في الساحل بالمراكز الاقتصادية في شمال إفريقيا والأسواق المتوسطية. هذه الشبكات غير القانونية خلقت اعتماداً متبادلاً غير رسمي، يوفر قنوات نفوذ للفاعلين المحليين والدوليين على حد سواء، ويجعل من استقرار المنطقة رهيناً بتفكيك هذه التشابكات المعقدة.
وفي قراءته لتحركات القوى الإقليمية، رصد التقرير تباعداً في الإستراتيجيات بين الرباط والجزائر تجاه هذا الفضاء الموحد:
المغرب (إسقاط جيو-اقتصادي): تبنت المملكة نهجاً منفتحاً يربط بين الأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وتعد “المبادرة الأطلسية” جوهر هذه الرؤية، حيث يسعى المغرب ليكون البوابة الرئيسية لدول الساحل الحبيسة نحو الأطلسي، مدعوماً بمشروع ميناء الداخلة الأطلسي المرتقب في 2028، مما يحول المغرب إلى نقطة ربط إستراتيجية بين شمال وغرب إفريقيا.
الجزائر (الأمن أولاً): ركزت الإستراتيجية الجزائرية على المقاربة الوقائية والدفاعية، مدفوعة بهاجس حماية الحدود الجنوبية. ورغم اعتمادها على التعاون الاستخباراتي والوساطة الدبلوماسية لتجنب التدخلات العسكرية المباشرة، يرى التقرير أن الاستمرار في هذا النهج “الأمني الصرف” أصبح يواجه صعوبات متزايدة أمام تعقيدات التحولات الميدانية في الساحل.
وختم مركز “ستيمسون” وثيقته بالتشديد على أن السياسات الوطنية أو الإقليمية التي تتعامل مع المتوسط وشمال إفريقيا والساحل كجزر معزولة “لن تكون فعالة”. فالحركة البشرية، والتجارة غير الرسمية، وتحولات أسواق الطاقة، كلها تفرض بناء إس

