بكلمات مفعمة بالوفاء والحنين، استعاد محمد قديمي، المناضل والمرافق اللصيق للراحل محمد بنسعيد أيت يدر، محطات بارزة من مسار “حكيم اليسار المغربي”، مؤكداً أن بصمته لم تكن سياسية فحسب، بل كانت إنسانية واجتماعية بامتياز، خاصة في منطقة شتوكة التي شهدت معارك نضالية ضد “الخوف” وضد “التهميش”.
يروي قديمي أن علاقته بالراحل تعمقت منذ عودة الأخير من المنفى سنة 1981. وفي انتخابات 1984، خاض بنسعيد غمار التنافس في دائرة “شتوكة آيت باها”، وهي المرحلة التي وصفها قديمي بـ”التحول المفصلي”. ويقول قديمي: “كنت أحد المسيرين لحملته الانتخابية، ورغم التهديدات والمضايقات التي تعرض لها المحيطون به من طرف السلطات آنذاك، إلا أن حضور بنسعيد بدد الخوف في نفوس السكان”.
لقد نجح بنسعيد في الفوز بخمس ولايات تشريعية متتالية، ليس فقط بسبب شعاراته السياسية، بل لقربه الميداني من قضايا الناس، حتى أضحى صوته في البرلمان صدىً لمعاناة الفلاحين والبسطاء.
ومن بين أبرز المحطات التي استعرضها قديمي في شهادته، هي تدخل بنسعيد الحاسم لإلغاء مشروع “المنتزه الوطني” الذي كان يهدد بنزع ملكية 33 ألف هكتار من أراضي السكان الممتدة من “واد سوس” إلى “أكلو”.
ويحكي قديمي بكثير من الفخر: “أعددتُ لائحة بأسماء السكان المتضررين وعدد مواشيهم، وحملها بنسعيد إلى قبة البرلمان ليواجه بها الوزير آنذاك. وبفضل نضاله المستميت، تم إلغاء المشروع الذي كان سيشرد آلاف الأسر، مما عمق محبة الناس له”.
لم يكن بنسعيد سياسياً “موسمياً”، بل كان مهجوساً بالبناء الاجتماعي. ويؤكد قديمي أن الراحل كان وراء جلب أولى الإعداديات لمنطقة بلفاع والخميس آيت عميرة في الثمانينات.
ولم يتوقف الأمر عند البناء، بل جند بنسعيد علاقاته مع محسنين وتجار في الدار البيضاء لتجهيز “دار الطالب” بالكامل، من الأفرشة إلى أواني المطبخ، لضمان استمرار تمدرس أبناء القرى البعيدة. “كان يجمع المساعدات من تجار سوس بالبيضاء ويرسل الشاحنات محملة بالدعم للمدارس العتيقة ودور الطالب.. هذه هي الإنسانية التي ميزته”، يضيف قديمي.
وفي قراءته للوضع الداخلي للحزب الاشتراكي الموحد بعد رحيل أيت يدر، لم يخفِ قديمي قلقه من وجود “خلل وفراغ”. واعتبر أن بنسعيد لم يكن مجرد زعيم، بل كان “مصلحاً” يحظى باحترام الجميع، وقادراً على فض النزاعات داخل البيت اليساري بكلمة واحدة.
وعن الأمينة العامة السابقة نبيلة منيب، قال قديمي: “نبيلة مناضلة كبيرة، لكن بنسعيد كان حالة خاصة. داخل الحزب توجد ديمقراطية، لكن بنسعيد كان يتجاوز التصويت بسلطته الأدبية، حيث كان الجميع يحترمه ويخجل منه، مما يسهل عملية الصلح والوحدة”.
خلص محمد قديمي في شهادته إلى أن منطقة شتوكة والمغرب عموماً خسرا رجلاً من طينة نادرة، مؤكداً أن “بلاصتو خاوية” (مكانه شاغر). فبنسعيد أيت يدر، بحسب رفيقه، كان يجمع بين صرامة المقاوم ورقة الإنسان، وبين دهاء السياسي وزهد المناضل، وهي الخصال التي جعلت منه “بنسعيداً واحداً” لا بديل له في الأفق القريب.