الرئيسية / نبض المجتمع / معهد "آساري" بالعيون.. مختبر قاري يصنع مستقبل إفريقيا الغذائي

معهد "آساري" بالعيون.. مختبر قاري يصنع مستقبل إفريقيا الغذائي

معهد asari التراث الصحراوي
نبض المجتمع
فريد أزركي 06 مارس 2026 - 12:00
A+ / A-

بين “الخيمة'” كرمزٍ للأصالة، و”المختبر” كأداة للحداثة، ينسج معهد الأبحاث الزراعية بالمناطق القاحلة ( آساري ASARI) بالعيون حكاية تصالح فريدة بين الإنسان وبيئته الصحراوية، هذا المعهد، الذي وُلد من رحم الرؤية التنموية للأقاليم الجنوبية، ارتبط اسم بتثمين المنتوجات المجالية وتحويلها إلى صناعاتٍ تنافسية.

ويبرهن معهد “آساري” التابع لجامعة محمد السادس (UM6P) أن “الحلول الكبرى لمشاكل إفريقيا الزراعية تسكن في تفاصيل نباتاتها البرية وحليب إبلها، شريطة أن تُقرأ بعيون العلم.”

ووُلد المعهد السالف الذكر، استجابةً لرؤية ملكية طموحة تُحوِّل الأقاليم الجنوبية إلى جسر حقيقي للتعاون “جنوب-جنوب”، ليصبح “مختبر قاري” مفتوح يدعو الباحثين الأفارقة، من شتى البلدان التي تكابد التصحر وشح الموارد المائية، إلى العمل المشترك على إيجاد حلول ناجعة للزراعة في البيئات القاسية.

تتقاطع في رحاب المعهد خبرات متعددة الجنسيات وتتحاور تجارب متباينة، لكنها تنهل جميعها من معين واحد: اليقين بأن القارة السمراء تمتلك من الإمكانات الطبيعية ما يكفي لإطعام نفسها، شريطة توافر الإرادة العلمية والأدوات التكنولوجية المناسبة.

الذهب الأبيض.. من الخيمة إلى المختبر

يقف حليب الإبل في مقدمة الملفات البحثية التي يعكف عليها المعهد بشغف حقيقي، هذا السائل الذي طالما اقتصر دوره على إعاشة رُحَّل الصحراء، بات اليوم في قلب مشروع اقتصادي متكامل، حيث يعمل الباحثون على تطوير سلاسل إنتاج تُحوِّله إلى مساحيق ومكملات غذائية ومستحضرات تجميلية ذات قيمة مضافة عالية، قابلة للتصدير نحو أسواق أوروبا وآسيا التي تتزاحم على خصائصه الصحية الفريدة.

الرهان هنا مزدوج: انتشال مربي الإبل من اقتصاد الكفاف، وتأسيس صناعة وطنية متخصصة تستثمر مورداً طبيعياً وفيراً بدلاً من تصديره خاماً أو إهداره.

الزراعة الملحية.. تحدي الندرة ورهان المستقبل

في منطقة تُحاصرها ملوحة التربة وشُح المياه العذبة، طوَّع معهد ‘آساري’ أصناف الكينوا والسرغوم ونباتات علفية متعددة لتتكيف مع هذه الظروف القاسية. هذه الزراعات البديلة لا تُغني الإنسان فحسب، بل تُؤمِّن غذاء الماشية وتُخفف العبء المالي عن كاهل الكساب الصحراوي الذي طالما اضطر إلى استيراد الأعلاف بأسعار مرتفعة.

المعادلة التي يسعى المعهد لتحقيقها بسيطة في صياغتها عميقة في أثرها: ماء أقل، إنتاج أكثر، وكرامة مصونة للفلاح الجنوبي.

الصيدلية الصحراوية.. كنز في انتظار اكتشافه

تختزن البادية المغربية رصيداً نباتياً هائلاً من الأعشاب الطبية والعطرية التي ظلت حبيسة المعرفة الشعبية المتوارثة. جاء المعهد ليُعلِّم هذا الإرث خطوات العلم الحديث، عبر جرد منهجي للنباتات البرية، واستخلاص زيوتها وموادها الفعالة، وتوثيق خصائصها.

الهدف الأبعد: بناء صناعات دوائية وتجميلية محلية تُقلِّص الاعتماد على الاستيراد، وتُحوِّل الصحراء إلى مصدر للدواء والعافية بدل أن تظل في مخيلة البعض مرادفاً للقسوة والجفاف.

رسالة تتخطى الجدران.. نحو الميدان والإنسان

لا يكتفي المعهد بإنتاج الأبحاث وحبسها في الأدراج العلمية؛ ذلك أن وظيفته الاجتماعية لا تقل أهمية عن وظيفته المعرفية. فهو يواكب التعاونيات المحلية تقنياً وعلمياً لترقية منتجاتها لتستوفي المعايير الدولية وتفتح أبواب التصدير.

كما يُشكِّل قاطرةً لتكوين أجيال جديدة من المهندسين والتقنيين، أبناء الأقاليم الجنوبية ووافدين من دول إفريقية شقيقة، ليعودوا إلى بلدانهم حاملين العلم والأمل معاً. ويضم المعهد بنكاً للجينات يحفظ الأصناف النباتية الصحراوية النادرة من الانقراض، في استثمار صامت للتنوع البيولوجي الذي لا يُعوَّض.

السيادة الغذائية.. الغاية والأفق

كل هذا الجهد يصبُّ في نهر واحد: تحقيق السيادة الغذائية. مفهوم لا يعني الاكتفاء الذاتي الضيق، بل القدرة على صنع القرار الغذائي بعيداً عن إملاءات السوق الدولية وهشاشة سلاسل التوريد. تحسين إنتاجية النخيل، وتطوير سلالات الماشية المتأقلمة، وابتكار أنظمة ري ذكية تعتمد على تحلية المياه وطاقة الشمس، كلها لبنات في جدار متين يبنيه المعهد يوماً بعد يوم.

بهذا المعنى، لم تعد الصحراء المغربية مجرد أرض تحتضن الماضي وتُخزِّن الذاكرة، بل باتت ورشة مفتوحة لصياغة مستقبل إفريقيا الغذائي.

يمثل معهد “آساري” بالعيون اليوم أكثر من مؤسسة بحثية؛ إنه إعلان رمزي بأن الهامش الجغرافي يمكن أن يكون مركزا للإشعاع العلمي، وأن الصحراء ليست عائقا في وجه التنمية بل هي خزانها الاستراتيجي، في زمن تتصاعد فيه الأزمات الغذائية وتتسع رقعة التصحر، يقف هذا المعهد في العيون شاهداً حياً على أن المغرب لا يكتفي بالنقاش حول مستقبل إفريقيا، بل يصنعه.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة