لم تعد خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي تكتفي بتوجيه المحتوى الترفيهي أو الإخباري للمستخدمين، بل باتت أحياناً ترتدي “الوزرة الطبية البيضاء” دون تردد.
فما إن يلجأ شخص إلى محركات البحث مستفسراً عن أعراض مرضية ألمّت به، حتى يجد نفسه محاصراً بسيل من الإعلانات التي تروج لأدوية ومنتجات علاجية تُعرض على منصات التجارة الإلكترونية، في صورة مغرية مصحوبة بوعود بالشفاء السريع والنتائج المضمونة، مما يثير قلقاً متزايداً لدى المختصين في المجال الصحي والحقوقي جراء تحول معاناة المرضى إلى فرصة تجارية تستغلها خوارزميات الإعلانات الموجهة.
هذا الواقع الرقمي الجديد يقتنص كلمات البحث البسيطة مثل “ألم المعدة” أو “تساقط الشعر” أو “ارتفاع السكر”، لتبدأ الإعلانات في الظهور تباعاً، مروجة لمكملات غذائية، وأعشاب علاجية، وكبسولات يدعي مروجوها أنها “علاجات معجزة” قادرة على حل المشكلة خلال أيام قليلة. لكن وراء هذا الإغراء التسويقي تختبئ مخاطر حقيقية، إذ إن جزءاً كبيراً من هذه المنتجات لا يخضع لأي مراقبة طبية أو صيدلانية، وقد يكون مجهول المصدر أو يحتوي على مواد فعالة غير مصرح بها وبجرعات غير آمنة، ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة عند استعمالها دون استشارة طبية.
وفي هذا الصدد، حذر شتور علي، رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك وعضو بالجامعة المغربية لحقوق المستهلك، من المخاطر الصحية والقانونية المرتبطة بهذه الممارسات، موضحاً أن الانتشار المتزايد للصفحات والحسابات غير المرخصة التي تروج لبيع الأدوية والمكملات الغذائية عبر الإنترنت يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بحماية المستهلكين.
وأكد شتور أن بيع الأدوية خارج الصيدليات المرخص لها يشكل مخالفة صريحة للمقتضيات القانونية المنظمة لقطاع الدواء في المغرب، ويعرض صحة المواطنين لمخاطر حقيقية نتيجة تداول منتجات غير مطابقة للمعايير الصحية.
من الناحية القانونية، أشار المتحدث إلى أن القانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك يضمن حقوقاً أساسية تشمل السلامة الصحية، والحق في الإعلام الواضح والصادق، وحماية المصالح الاقتصادية للمواطنين.
وينص هذا القانون بوضوح على منع الإشهار المضلل أو أي ممارسة تجارية توقع المستهلك في الخطأ بخصوص طبيعة المنتوج أو فعاليته، كما يلزم الموردين بتقديم معلومات دقيقة حول المصدر والتركيبة، وهي مقتضيات تشمل أيضاً المعاملات التي تتم عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل تسويق هذه العلاجات ممارسة غير مشروعة يعاقب عليها القانون.
وفي ختام تحذيراته، دعا رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك المواطنين إلى ضرورة اقتناء الأدوية والمنتجات الصحية حصراً من الصيدليات القانونية المرخصة، وتوخي الحذر الشديد من الصفحات التي تروج لعلاجات دون مراقبة أو تأطير قانوني. كما شدد على أهمية تعزيز المراقبة على الأنشطة الرقمية وتشجيع المواطنين على التبليغ عن الحسابات المشبوهة، مؤكداً أن حماية الصحة العامة تظل أولوية قصوى تتطلب تضافر جهود التوعية والتوجيه للحد من هذه الظواهر التي تمس بالثقة في المنظومة الصحية.