يتجدد الجدل في المغرب حول اعتماد الساعة الإضافية (GMT+1)، مع اقتراب العودة إليها عقب شهر رمضان، وسط تصاعد الدعوات المدنية المطالبة بالرجوع إلى التوقيت القانوني للمملكة، في سياق تفاعل مجتمعي واسع يعكس حساسية هذا الملف وتداخل أبعاده الاجتماعية والصحية والاقتصادية.
في هذا الإطار، أعلنت الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية عن تسجيل إقبال لافت على العريضة الإلكترونية التي أطلقتها، حيث تجاوز عدد الموقعين عليها 27 ألف توقيع في ظرف وجيز، وهو ما اعتبرته مؤشراً على تنامي الوعي المجتمعي بآثار التوقيت الصيفي الدائم، واتساع دائرة الرافضين له.
وأكدت الحملة، في بلاغ لها، أن النقاش حول الساعة الإضافية لم يعد مقتصراً على الفضاء الرقمي، بل امتد إلى الإعلام والمؤسسات، بما في ذلك البرلمان، حيث بدأت القضية تفرض نفسها كموضوع عمومي مركب، تتداخل فيه الأبعاد الصحية والتربوية والاجتماعية، إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية.
وترى الحملة أن العودة المرتقبة إلى الساعة الإضافية تعزز الحاجة إلى مواصلة الترافع المدني، خاصة مع اقتراب فصل الصيف، الذي قد يشهد، وفق تعبيرها، تفاقماً في الآثار السلبية لهذا التوقيت على التوازن النفسي والاجتماعي للأسر المغربية، مشيرة إلى عزمها نقل هذا النقاش إلى مستوى مؤسساتي عبر إعداد عريضة رسمية ومراسلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لإجراء تقييم شامل.
كما دعت إلى ما وصفته بـ“التصويت المشروط”، من خلال دعم الأحزاب التي تلتزم بإعادة النظر في اعتماد الساعة الإضافية، في محاولة لربط هذا الملف بالمسار الديمقراطي والاختيارات السياسية.
ويعود أصل هذا الجدل إلى سنة 2018، حين قررت الحكومة اعتماد توقيت غرينيتش +1 بشكل دائم بموجب مرسوم تنظيمي، مع استثناء شهر رمضان، وهو القرار الذي أثار منذ ذلك الحين نقاشاً مجتمعياً مستمراً، بسبب تأثيره المباشر على نمط عيش المواطنين، خاصة فيما يتعلق بمواعيد العمل والدراسة وظروف الاستيقاظ خلال فصل الشتاء.
في السياق ذاته، دخل النقاش إلى المؤسسة التشريعية، حيث وجّه المستشار البرلماني خالد السطي سؤالاً كتابياً إلى رئيس الحكومة، طالب فيه بإجراء تقييم شامل لهذا القرار، في ظل تفاعل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر فيه عدد كبير من المواطنين عن ارتياحهم للعودة المؤقتة إلى الساعة القانونية خلال رمضان.
ويستند الرافضون للساعة الإضافية إلى معطيات علمية تدعم موقفهم، من بينها دراسة منشورة في مجلة “BMJ”، التي تشير إلى أن التوقيت الصيفي يؤثر سلباً على الساعة البيولوجية للإنسان، ويتسبب في اضطرابات النوم، ويرتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل أمراض القلب والسكري، إضافة إلى زيادة حوادث السير.
كما خلصت دراسة تحليلية إلى أن اعتماد الساعة الإضافية بشكل دائم يرتبط بتكاليف صحية واجتماعية ملموسة، مقابل محدودية المكاسب الاقتصادية المرتبطة به، مشككة في جدواه من حيث توفير الطاقة، ومقترحة إجراءات بديلة للتخفيف من آثاره، من قبيل تأخير مواعيد العمل والدراسة خلال فصل الشتاء.
في المقابل، تدافع الحكومة وعدد من الفاعلين الاقتصاديين عن هذا الخيار، معتبرين أنه يساهم في تعزيز التزامن الزمني مع الشركاء الأوروبيين، وهو ما ينعكس إيجاباً على جاذبية الاقتصاد الوطني، خاصة في قطاعات الصناعة والخدمات المرتبطة بالاستثمار الخارجي.
وبين هذين الموقفين، يجد ملف الساعة الإضافية نفسه مجدداً في قلب معادلة معقدة، تجمع بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي وضغوط الواقع الاجتماعي، ما يطرح سؤالاً متجدداً حول مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين النجاعة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.
ومع استمرار هذا الجدل، يبدو أن الحسم في هذا الملف لن يكون تقنياً صرفاً، بل سيظل رهيناً بنقاش عمومي ومؤسساتي أوسع، يستند إلى معطيات علمية دقيقة ويأخذ بعين الاعتبار انتظارات المواطنين وتحولات السياق الاقتصادي.