قبل أن تبلغ واحة “تيوت” بعينيك -حوالي 30 كيلومترا جنوب شرق مدينة تارودانت- تسمعها بشيء أعمق من السمع وأقدم من الذاكرة، رجفة خفية تسري في الهواء المشبع برائحة الطين الرطب والنعناع “البلدي”، والصخر المُحَمَّى بشمس سوس؛ رجفة لا تُعرَّف إلا بأنها نبض مكان حي، مكان لا يزال يتنفس على إيقاعه القديم، غير مُكترث بما أحدثه الزمن.

بذات الواحة الصغيرة، تقع أقدم مطحنة مائية عند ملتقى العيون والمجرى القديم، مطحنة تظهر للزائرين وكأنها نبتت من التراب كما تنبت النخلة، راسخةً بـ”الحجر والماء والصبر”، لا تشهر عن نفسها بلافتة ولا بمَعلَم، وإنما تُعلن بصوتها؛ ذلك الطحن الخافت المتواصل الذي يملأ الفضاء الصغير المحيط بها.
عند عتبة المطحنة، صادفنا محمد حسنين، وهو الرجل المكلف بالمطحنة، يبلغ من الكبر عتيا، رجلٌ تنمّ يداه الغليظتان على سنوات من الطحن والتنقل بين جدران المطحنة، له عيون الذي يُطيل النظر إلى الأشياء الثابتة، وابتسامة من يعرف سرّا لا يجد له ترجمة سريعة، أومأ إلينا أن نتبعه، داخل ذات المكان الذي نفسه يفرض نوعاً من الخشوع على من يدخله.

دخلنا وعند الدخول، شعرنا أن الزمن لا يجري هنا كما يجري في سائر المواضع، بل يدور، دورة هادئة بطيئة لا بداية لها ولا نهاية، كما تدور رحى الحجر فوق الحجر منذ أن أمر بها سلاطين الدولة السعدية قبل خمسة قرون متكاملة.
بنيان السعديين وسرّ الأحجار
من أراد أن يفهم هذه المطحنة، فعليه أولاً أن يفهم الدولة التي أنشأتها، فحسب حسنين فـ”الملوك السعديون الذين حكموا المغرب خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين كانوا منظِّمي حضارة زراعية بالمفهوم الحرفي العميق للكلمة”.
وهذا ما تأكد خلال بحثنا حيث توصلنا لمعطيات تاريخية تثبت أن استقرار الامبراطورية السعدية لا يقوم على الذهب وحده، بل كان يقوم في جوهره على الدقيق؛ وأن من يملك القدرة على طحن الحبوب يملك القدرة على إطعام الأمة وبقائها، لهذا السبب بالذات أمروا ببناء مطاحن مائية عند منابع العيون وعلى مجاري الأودية، في مواقع يختارها المهندس قبل أن يختارها السياسي؛ مواقع تجمع بين ديمومة التدفق المائي وقرب المزارعين والرعاة الذين يحتاجون الطحن. وكانت تيوت واحدة من تلك المواقع التي نالت شرف هذا الاختيار.

اليوم، وبعد مرور خمسة قرون متكاملة، تقف الرحى في مكانها بنفس الإحكام الذي أُودِع في بنيانها ابتداء، الأحجار لم تنكسر رغم ملايين الدورات، والقناة الموصِلة للماء لا تزال تُقرأ كما رسمها المعمار الأول، يقول حسنين وهو يضع يده على جانب الرحى في حنان من يُداعب كائنا حيّا: “هذا الرحى عمره خمسمئة عام، بناه الملوك السعديون، وتركوا التراث هنا في البلاد.”
خفايا الرحى وعبقرية هندسة
تأملنا في رحلتنا المتواضعة الهندسة الخفية للمطنحة المائية، فليس هناك ما يبدو معقدا لأول وهلة، وهذا بالضبط ما يجعلها معجزة، من يرى الرحى يرى حجرين وقليلاً من الخشب وقناةً للماء، غير أن من يفهمها يرى درساً كاملاً في “ميكانيكا السوائل والهندسة الميكانيكية”، أُنجز بأيد لا تعرف الحسابات النظرية بل تعرف شيئا أعمق منها: تعرف الماء.
يسترسل حسنين في الشرح بلغة العارف بما يتقن: “هذا المُنظّم (الريلاج) هو المحرك الأساسي الذي يرفع حجر الرحى، وهو الجزء الفعّال في هذه العملية؛ إذ إن قوة الدفع الضاغطة من الأسفل هي التي ترفع الرحى صعوداً”، ويقصد بـ “الريلاج” تلك العجلة المائية الأفقية المثبتة تحت الأرض على محور عمودي؛ فعندما يرتطم بها الماء المتدفق من العين بقوة ودقة، تنتقل الحركة الدورانية صاعدةً عبر المحور لتُدير الحجر العلوي المتحرك فوق الحجر السفلي الراسخ الثابت، حيث تُسحق الحبوب بينهما وتُطحن لتتحول إلى دقيق.
“بيد أن الرحى لا تعمل في عزلة عن الطبيعة المحيطة بها؛ فهي كائن يحيا بالماء ومن الماء، وعلاقتها بتدفق العين هي علاقة “تكافل لا تبعية”، يشرح حسنين هذه المعادلة بمنطق بسيط في حديث جانبي: “إذا كان الماء غزيراً، زدنا من كمية الشعير أو القمح، وإذا شحّ الماء، أنقصنا منه”، مضيفا قائلا: “الرحى لا تُزيف حقائق الطبيعة ولا تُعاندها؛ إذ يقلُّ إنتاجها حين ينحسر ماء العين، ويزداد حين يفيض، إنها مرآة صادقة للأرض، وليست سيدةً عليها”.
وثمة جزء آخر من السر يكمن في الماء ذاته، يوضح المتحدث عينه: “الماء ليس أي ماء، إنه ماء العيون الجوفية النقية الباردة التي تنبع من قلب الجبل، هذا الماء حين يضرب العجلة يمنح الرحى قوتها الخاصة وإيقاعها الخاص، مختلفاً عن كل طاقة آلية أخرى”.
وللرحى وقتها المعلوم؛ فهي لا تدور عبثا ولا يُهدر جهدها في فراغ، ثمة نظام طحن دقيق يضبط مواعيد التشغيل: “الطحن بالنهار، وتوزع العبرات (وحدات القياس) بحيث تكتمل ثماني عبراتٍ على مدار الأربع والعشرين ساعة”، وتُقسم هذه الدورات الثماني توزيعا عادلا بين ضياء النهار وسواد الليل، تماما كما تُوزع الصلوات الخمس على ساعات اليوم؛ إنه نظامٌ راسخ لا يُخترق ولا يُتلاعب به، يوضح حسنين قائلا: “لأنه يستمد شرعيته من انسجامه مع قوانين الطبيعة، بعيداً عن أهواء الأفراد.”

القليل عادل
كانت المطاحن التقليدية في المغرب عبارة عن مؤسسات اجتماعية فهي الفضاء الذي يتساوى فيه صاحب الأرض بمن لا أرض له، وتتآلف فيه مواسم الوفرة مع سنوات الشح.
يُحدد حسنين معالم هذا العقد الاجتماعي موضحا بالقول: “نحن نطحن للناس القمح أو ما شاؤوا من حبوب، وقديما، كان الناس يؤدون الأجر دقيقاً؛ فمن أحضر مكيالاً (عبرة) لطحنه، اقتطعنا منه جزءا يسيرا كحقّ مستحق للرحى، فالحصة التي تستخلصها الرحى من الحبوب المطحونة هي أجر مقابل الخدمة وليست ضريبة على المِلك؛ فهي ليست مفروضة بسطوة السلطة، بل نابعة من قبول الجميع لقاعدة العدل الفطري”.
والأجمل في هذا النظام هو إنصافه للفقير وعدم إقصائه؛ فمن لا يملك مالا نقديا، تقبله الرحى بوفاضه المليء بالحبوب قبل أي شيء آخر، يتابع حسنين في هذا الصدد: “نحن لا نضع شروطا تعجيزية على الناس، فكل الأمور ميسّرة بفضل الله؛ يكفي أن يؤدي المرء ما يغطي تكاليف النقل والجهد المبذول، فلا شروط قاسية، ولا استغلال لحاجات الناس، بل هو القليل العادل وكفى.”
الصيدلية الخضراء — حجارة الشفاء
“للمطحنة وجهٌ خفي، لا يدرك كنهه إلا من أطال المكوث في “تيوت” حتى استرقت أذناه السمع لأسرارها؛ فهذه الأحجار التي تطحن السنابل، تطحن حتى النباتات العطرية، والأعشاب الطبية، والتوابل المقدسة التي تشكل الذاكرة الحية للعلاج الشعبي في منطقة “سوس”.
يتحدث حسنين عن هذا الجانب: “كنا نعدّ خلطة الأعشاب الخمسة: الزعتر الجبلي، والنعناع، وإكليل الجبل، والعرعر، واللويزة، وأصنافاً أخرى لا حصر لها”.
الزعتر الجبلي الفواح (تيميجة)، والنعناع البري الذي ينفرد عن سواه بعطره النفاذ، وإكليل الجبل (اليازير)، والعرعار، واللويزة الزكية، وبذور أركان، والزبدة الخام؛ كلها مفردات في معجم الطب التقليدي السوسي، تمرُّ بين حجري الرحى لتتحول مساحيق ناعمة تحفظ في جرار الفخار، وتُستحضر في فنون العلاج والطهي والتعطير.
بيد أن درّة تاج هذه “الصيدلية الحجرية” هي ذلك المشروب التقليدي العريق وهو مزيج سوسي فريد من الأعشاب المطحونة والزبدة والعسل والحبوب؛ ذلك الذي يُعرف محليا بمسميات شتى لكنه في جوهره واحد: غذاءٌ يمدُّ الجسد بالقوة، ودواءٌ يمنح النفس الشفاء.

شهود على حضارة
أخبرنا محمد حسنين، أن واحة تيوت لوحدها كانت بها عشر مطاحن مائية، اليوم لم يبقَ منها سوى هذه الواحدة، وهو ما أكدته معطيات استقيناها أثناء بحثنا، فما كان يوما منظومة طحن متكاملة، تمتد خيوطها من درعة إلى تارودانت، ومن أقاصي الجنوب إلى قمم الأطلس، بقايا شبكة حضارية بدأت تتفكك مع الزحف الكاسح للآلة الكهربائية والمطحنة الصناعية نحو القرى والمداشر النائية.
يقول حسنين في هذا الصدد: “إن الآلات الحديثة حاضرة اليوم، وقد حلّ العصر الجديد؛ فترك الناس القديم وأقبلوا على ما استحدثه الزمان، ولم يعد للتراث في أعينهم ذلك الإقبال الذي كان”، موضحا أن “الزمان يتبدل وأن الناس يقتفون أثر ما ييسّر سبل عيشهم”، متابعا “بدأ التراث ينحسر في موضع، ليزدهر في موضع آخر.
ما الذي حفظ لهذه الرحى دورانها، بينما سكنت شقيقاتها وأسلمت أحجارهن للصمت والتشقق؟ لعل الجواب يكمن في ذلك الحضور البشري المفعم بالمعنى؛ فـ”الأشياء لا تصمد لخمسة قرون بصلابة مادتها وحدها، بل بصمود الأرواح التي تؤمن بها، وتُكرّس وجودها لخدمتها والحفاظ على جذوتها متقدة.”
الرحى والماء والهوية
في علم الأنثروبولوجيا المائية ثمة مفهوم يُشير إلى العلاقة العضوية التي تنشأ بين الجماعة البشرية ومصادرها المائية؛ علاقة تتجاوز الاستخدام الوظيفي لتصبح جزءا من الهوية الثقافية العميقة، أن تُقيم جماعة ما منذ أجيال على ضفاف عين أو وادٍأو بئر، أن تنظّم حياتها وفق إيقاع تدفق الماء، أن تبني تقاويمها الزراعية ومواسم أعراسها وذكريات أحداثها الكبرى بالإشارة إلى مستوى الماء في الخريف أو غزارة المطر في الشتاء؛ هذا كله يجعل الماء ليس موردا طبيعيا فحسب، بل ذاكرة جماعية موزّعة في الأرض.
رحى تيوت هي التجسيد المادي لهذه العلاقة، فقد أضحت “مجازا”النقطة التي تلتقي فيها العين بالإنسان، التقاء يصنع خبزا ودواء وموروثا وذاكرة، أن تدور الرحى يعني أن العين تجري، وأن تجري العين يعني أن الواحة حية، وأن تحيا الواحة يعني أن هذا الإنسان بعينه، في هذا المكان بعينه، في هذا الزمان الذي يتسارع ولا يلتفت، اختار أن يُقيم.
“حين سألنا حسنين عمّا يساوره من مشاعر حين تتوقف الرحى لغرض الصيانة، صمت هنيهة، ثم قال: “لولا وجود هذه المطحنة لما دبّت الحياة في حبات الشعير، فهي المحرك الأساسي لكل شيء، وهي التي تمنحك النكهة الحقيقية”. ‘”النكهة”.. تلك الكلمة الوجيزة التي تختزل ما لا يمكن اختزاله؛ نكهةُ الشيء المصنوع على مهل، وبأدوات خبرت أسرار المحاصيل منذ قرون، بيد تحمل في تجاعيدها ذاكرة المكان، وبماء ينسابُ حاملا في طياته أسرار الجبال الشاهقة، هذه النكهة لا تستطيع آلةٌ حديثة، مهما بلغت دقتها، أن تستحضر روحها أو تعيد صياغة سحرها.”

إرث المهنة
“خلال حديثنا مع حسنين، تيقنّا أن المعضلة الكبرى التي تتهدد كل تراث تكمن في “الخلافة”؛ فالحجارة قد تصمد وعيون الماء قد لا تنضب، ولكن ما نفعها إذا غاب الحرفي الذي يحذق التعامل مع الآلة، ويستبين أي عشبة تُسحق بأي حجر، ويدرك متى يسكن الطحن ومتى يستأنف دورانه؟
يوضح حسنين: “قديما، عاصرنا المعلم الذي شيد لنا هذا الصرح؛ وبعد أن وافته المنية، لم يتبق سواي ممن أخذوا عنه أسرار الصنعة.. أنا اليوم الوحيد الذي يتولى صيانتها، وهذا هو النقص الذي نعانيه اليوم في الخبرة والريادة”.
بيد أن حسنين لم يستسلم لمنطق الاستئثار بالمعرفة؛ فخلافا لكثير من أرباب الحرف النادرة الذين يقبضون على أسرارهم حتى الرمق الأخير —لا شحا بل خشية من ابتذال الصنعة أو فقدان قيمتها بانتشارها— اختار حسنين سبيل النقل والتوريث، قائلا: ‘أبنائي هم من يرافقونني في هذا المسار، وهم سندي؛ ألقنهم كل خبايا العمل، فالإنسان لا يضمن عمره، ومن منّ الله عليه بالعمر حتى بلغ الثمانين، وجب عليه أن يورّث أبناءه أمانة الأرض ومعالمها’.
حين يأتي الغريب معلِّماً
“يأتون إلينا من شتى بقاع الأرض، من أوروبا وغيرها؛ لا يكتفون بالمشاهدة، بل يوثقون بالصور كل ما تكتنز به هذه البلاد، وحتى الإخوة العرب يتقاطرون للسؤال بشغف.” يقول حسنين.
باحثون أوروبيون متضلعون في الهندسة المائية التقليدية، وعلماء أنثروبولوجيا مهتمون بأنماط الزراعة المتكيفة مع البيئات الجافة، وصحفيون تناهى إلى مسامعهم أن ثمة مطحنة لا تزال تدور كما كانت في عهد السعديين؛ جميعهم يقصدون “تيوت” ويغادرونها محملين بلقى ثقيلة: صور، وتسجيلات، وملاحظات، وأسئلة لا تكاد تنضب.
ويدرك حسنين قيمة الزوار الذين يحجون للمنطقة بقوله: “حتى أبناء جلدتنا يقتنون منا محاصيلنا”، في إشارة إلى أن الزوار، عند رحيلهم، يحملون معهم غلال الواحة، ومساحيق الأعشاب، ودقيق الرحى الأصيل؛ ليغدوا بذلك سفراء غير رسميين لحضارةٍ عريقة لم تطلب يوماً من يمثلها، لكن جودتها هي من فرضت حضورها.”

تنمية رشيدة
تتجاوز رحى تيوت في دلالتها حدود الموروث الثقافي لتُشكّل، بمنظومتها المائية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، نموذجا تنمويا متكاملا يستحق الدراسة والاستلهام.
فمن حيث الاستدامة البيئية، تعمل هذه المطحنة دون استهلاك أي طاقة كهربائية أو إنتاج انبعاثات، وتُعيد المياه إلى مجراها الطبيعي فور استثمار طاقتها الحركية، وفي منطقة سوس ماسة التي تُسجّل ضغطا متزايدا على فرشاتها الجوفية، تكتسب هذه النماذج التقليدية في الاستخدام الرشيد للمياه قيمة مرجعية متجددة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتعتمد الرحى اعتمادا كليا على مدخلات محلية، من عيون ومواد خام وحبوب وأعشاب، وتُنتج مخرجات تبقى في دائرة الاقتصاد المحلي، من دقيق ومساحيق عطرية ومشروبات تقليدية، بعيدا عن تقلبات الأسواق الخارجية وتعقيدات سلاسل الإمداد.
وعلى مستوى المعرفة التقليدية، يحمل القائم على الرحى رصيدا من المعرفة العملية المتراكمة في مجالي الأعشاب الطبية وتقنيات الطحن، وهو ما تُصنّفه منظمة اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي الواجب صونه وتوثيقه.
وفيما يخص السياحة الثقافية، تستقطب الواحة زوارَ محلييّن وأجانب، باحثين وصحفيين ومهتمين، لا بفعل برامج ترويجية، بل بحكم أصالة تجربة حية لا تزال تؤدي وظيفتها في واقع يومي ملموس.

برامج التثمين وإعادة الاعتبار
إدراكاً منها للقيمة التاريخية والثقافية للمطاحن المائية، أطلقت المملكة المغربية، عبر مختلف قطاعاتها الوزارية ومؤسساتها، سلسلة من البرامج والمبادرات الرامية إلى حماية هذا التراث وتثمينه، وتندرج هذه الجهود في إطار رؤية شمولية تهدف إلى دمج التراث الثقافي في الدينامية التنموية للمملكة.
وشكلت برامج تأهيل وتثمين المدن العتيقة، التي أعطى انطلاقتها الملك محمد السادس، إطارا مرجعيا هاما لترميم العديد من المعالم التاريخية، بما فيها المطاحن المائية، ففي مدينة فاس، على سبيل المثال، تضمن برنامج تثمين الأنشطة الاقتصادية وتحسين الإطار المعيشي للمدينة العتيقة (2020-2024) مشاريع لترميم السقايات التاريخية والمنشآت المائية القديمة، مما يساهم في إحياء الذاكرة المائية للمدينة.

وفي مدينة شفشاون، شملت مشاريع التأهيل الحضري ترميم العديد من الأرحاء المائية التي كانت تستخدم لطحن الحبوب وعصر الزيتون، بهدف الحفاظ على الطابع الأصيل للمدينة وتعزيز جاذبيتها السياحية
دور وكالات الأحواض المائية
تلعب وكالات الأحواض المائية دورا حيويا في حماية الموارد المائية والمنشآت المرتبطة بها، وفي هذا السياق، تبرمج وكالة الحوض المائي لسبو، ضمن مخطط عملها للفترة 2025-2030، مشاريع هامة لصيانة وحماية المنشآت المائية، مع إيلاء اهتمام خاص للحد من التلوث الذي قد يهدد جودة المياه والمحيط البيئي للمطاحن التقليدية .
الحماية القانونية والمؤسساتية
لتعزيز الترسانة القانونية الحامية للتراث الوطني، صادق مجلس الحكومة مؤخراً على مشروع القانون رقم 33.22 المتعلق بحماية التراث. ويشكل هذا النص التشريعي نقلة نوعية في مجال المحافظة على الموروث الثقافي المغربي، حيث يوسع نطاق الحماية ليشمل التراث الثقافي المغمور بالمياه، ويؤسس لسجل وطني لجرد التراث الثقافي المادي وغير المادي .
ومن شأن هذا القانون أن يوفر حماية قانونية أقوى للمطاحن المائية التقليدية، ويمنع أي تدخلات عشوائية قد تطالها، مع تشجيع عمليات الترميم والصيانة وفق المعايير العلمية المتعارف عليها دولياً.
متحف محمد السادس لحضارة الماء: ذاكرة حية
تتويجاً للجهود المبذولة في مجال تثمين التراث المائي، تم افتتاح متحف محمد السادس لحضارة الماء بمدينة مراكش عام 2017، حيث يعد هذا الصرح الثقافي الأول من نوعه في العالم العربي وإفريقيا، يمتد على مساحة هكتارين ويعرض، عبر ثلاثة طوابق، تاريخ وحضارة الماء بالمغرب .

ويشكل المتحف منصة تفاعلية لاستعراض العبقرية المغربية في تدبير المياه، بما في ذلك تقنيات بناء وتشغيل المطاحن المائية، والخطارات، والسدود التقليدية. كما يساهم في توعية الأجيال الصاعدة بأهمية المحافظة على الموارد المائية وتثمين التراث المرتبط بها.