الساعة الإضافية تُعيد إشعال الجدل
لم تكد الحكومة تُضيف ستين دقيقة إلى التوقيت الرسمي، حتى أضاف المواطنون إلى سجل الاحتجاج مئة وثلاثة وأربعين ألف توقيع. عريضة إلكترونية تحت عنوان “نريد العودة إلى التوقيت الطبيعي” انتشرت بسرعة لافتة، مُعيدةً إلى الواجهة نقاشاً لم يُغلق يوماً، بل كان ينتظر فقط ما يُشعله من جديد.
في كل عام، مع إقرار الساعة الإضافية، تعود المشاعر ذاتها إلى الأسر المغربية — أطفال يستيقظون في الظلام، آباء يتسابقون مع وقت لا يبدو في صفهم، وشعور عام بأن الساعات الرسمية لا تتطابق مع إيقاع الجسد ولا مع منطق الطبيعة.
هذا العام، لم يبقَ هذا الشعور حبيس المجالس والمحادثات الخاصة. تحوّل إلى أرقام. 143 ألف توقيع وعداد لا يزال يدور، ما يجعل هذه العريضة واحدة من أوسع مبادرات المجتمع المدني الرقمي في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
غير أن حجم التفاعل وحده لا يكفي. فالعريضة، مهما بلغ عدد موقعيها، لا تكتسب قيمتها القانونية من الزخم الرقمي، بل من مدى احترامها للمسطرة التي ينظمها القانون المغربي في إطار آليات الديمقراطية التشاركية التي يكفلها الدستور.
إذ يتطلب قبولها، في مرحلة أولى، تشكيل لجنة تقديم تضم العدد المطلوب قانوناً مع تعيين ممثل لها ونائب عنه، ثم إعداد نص واضح يحدد موضوع العريضة والجهة الموجهة إليها — وهي في هذه الحالة رئيس الحكومة بوصفه صاحب الاختصاص التنفيذي — فضلاً عن مذكرة تفسيرية مفصّلة تبيّن أسباب تقديمها وأهدافها والأسس التي تبررها من زاوية المصلحة العامة.
بمعنى آخر، تحويل مطلب اجتماعي متداول إلى ملف قانوني متكامل قابل للفحص والمعالجة. وهو ما يستدعي تنظيماً مدنياً حقيقياً يتجاوز فضاء التوقيع الإلكتروني.
أصحاب العريضة وداعموها لا يُنكرون ما قدّمته الحكومة من مبررات لاعتماد هذا التوقيت بشكل دائم — توفير الطاقة وتحسين بعض المؤشرات الاقتصادية — لكنهم يرون أن الواقع اليومي أفرز معطيات مغايرة لم تُؤخذ بعين الاعتبار الكافي.
في مقدمة تلك المعطيات، الظلام في ساعات الصباح الأولى الذي يدفع الأسر إلى استهلاك طاقة إضافية، عوضاً عن توفيرها. وفي مناطق عديدة، يضطر تلاميذ إلى قطع مسافات طويلة في ظروف أمنية صعبة للوصول إلى مدارسهم قبل أن تبدأ الشمس في الظهور. أما الإرهاق اليومي المتراكم وتداعياته النفسية على الأسر، فيظل تأثيراً يصعب قياسه بمعادلات الطاقة لكنه يُقاس يومياً بالتجربة المعاشة.
ما يطالب به أصحاب العريضة وعدد من الفاعلين المدنيين لا يقتصر على مراجعة قرار التوقيت. يطالبون بشيء أكثر جوهرية: فتح نقاش عمومي حقيقي تُشارك فيه مختلف القطاعات الحكومية المعنية بالصحة والطاقة والتربية والبيئة، وتقديم معطيات واضحة وموثّقة حول الآثار الفعلية لهذا القرار على المواطنين.
والمؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية والنقابات مدعوّة، بدورها، إلى التفاعل مع هذا القلق المجتمعي المتصاعد بدلاً من تركه يتبخر في فضاء العرائض الإلكترونية دون أن يُترجَم إلى نقاش مؤسساتي فعلي.
143 ألف توقيع. رقم كبير في سياق مجتمعي لا يُقبل تاريخياً على هذا النوع من المبادرات بيسر. لكنه رقم يبقى ناقصاً ما لم يتحوّل إلى ملف قانوني مُحكم يُودَع لدى الجهة المختصة ويُجبر على الاستجابة.