في بوحٍ يمزج بين الذاكرة الشخصية المثقلة بالقيم والمسار السياسي الحافل بالتحديات، تفتح نزهة الصقلي، الوزيرة السابقة والوجه البارز في الحركة النسائية المغربية، قلبها لتروي قصة نضال لم تكن “قضية المرأة” في بدايتها سوى جزء من حلم أكبر بمغرب متقدم وعادل. من اليتم المبكر في أزقة الدار البيضاء إلى قبة البرلمان وكراسي الوزارة، ترسم الصقلي خارطة طريق لما تسميه “التحرير الشامل” للمجتمع المغربي عبر بوابة المساواة.
من “اليتيمة” إلى الوزيرة: دروس القاضي الراحل
تعود الصقلي بذاكرتها إلى مدينة الجديدة حيث رأت النور، قبل أن تنتقل العائلة إلى الدار البيضاء. كان لوفاة والدها، الذي كان قاضياً للبحث، وهي في التاسعة من عمرها أثر عميق في تكوين شخصيتها. تقول الصقلي: “تركنا والدي سبعة أطفال، وكانت والدتي أرملة في الثانية والثلاثين. لكنه ترك لنا ما هو أغلى من المال: روح التضامن واحترام الفقير والكرامة الإنسانية”. هذا الإرث الأخلاقي هو ما دفعها لاحقاً لرفض وصمة “اليتيمة” كعلامة نقص، محولةً إياها إلى وقود لخدمة المجتمع.
صدمة “المدونة” وتحول المسار
رغم تفوقها العلمي كصيدلانية وتكوينها السياسي في فرنسا وداخل “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، لم تكن قضايا النساء في صدارة اهتمامات الصقلي الشابة. تغير كل شيء حينما طلب منها القائد الحزبي الراحل عبد الله العياشي الاشتغال على الملف النسائي.
“لقد صدمت”، تعترف الصقلي وهي تتذكر قراءتها الأولى لمدونة الأحوال الشخصية القديمة، “وجدت قانوناً يمكن فيه تطليق المرأة بكلمة، ولا يحق لها تزويج نفسها، وتُحرم من الولاية على أبنائها. أدركت حينها أن مغرب الأحلام الذي ننشده لن يتحقق ونصف سكانه مكبل بظلم قانوني”.
21 سنة من “طرق أبواب” الديمقراطية
لم يكن وصول نزهة الصقلي إلى مراكز القرار مفروشاً بالورود؛ فقد ترشحت في سبع انتخابات متتالية على مدار 21 سنة (من 1976 إلى 1997) قبل أن تفوز بمقعد في المجلس الجماعي لسيدي بليوط، ثم البرلمان في 2002.
وتعتبر الصقلي أن “الكوتا” النسائية التي ناضلت من أجلها، واستلهمت فكرتها من مشاركة النساء في المسيرة الخضراء، كانت “الباب الملكي” الذي كسر احتكار الرجال للسياسة، مؤكدة أن الدفاع عن المرأة ليس حرباً ضد الرجل، بل هو تحرير له وللمجتمع من قيود التخلف.
إنجازات الوزارة وحرب “الشيطنة”
خلال توليها حقيبة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، بصمت الصقلي على مشاريع استراتيجية، أبرزها “الأجندة الحكومية للمساواة” وإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة. إلا أنها تعبر عن مرارتها من “العشرية الضائعة” (بعد 2011)، حيث تعرضت منجزاتها للتفكيك أو “تغيير الأسماء” بدوافع أيديولوجية، مشيرة إلى محاولات “شيطنة” المجتمع المدني وتقليص الدعم عنه.
نحو ثورة هادئة في مدونة الأسرة
في قلب النقاش الراهن حول تعديل مدونة الأسرة، ترفع الصقلي سقف المطالب. ترى رئيسة جمعية “أوال حريات” أن الوقت حان لتغيير عميق وشامل يقطع مع مفهوم “القوامة” التقليدي الذي لم يعد يعكس واقع الأسر المغربية حيث تشارك المرأة في الإنفاق والتدبير.
وتلخص الصقلي مطالب الحركة النسائية في نقاط قطعية:
المساواة الكاملة في النصوص القانونية (المدونة والقانون الجنائي).
إلغاء التعصيب في الإرث حماية لليتامى والأرامل.
منع تزويج الطفلات بشكل نهائي ودون استثناءات.
إقرار الولاية المشتركة للأم والأب على الأبناء.
الاعتراف بالخبرة الجينية (DNA) لضمان حق الأطفال في النسب.
رسالة الختام: المساواة هي الاستراتيجية
تختتم الصقلي حديثها برؤية تفاؤلية رغم الصعوبات، معتبرة أن الإرادة الملكية كانت دائماً هي “صمام الأمان” للتقدم الاجتماعي في المغرب. وتؤكد أن معركة المساواة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة استراتيجية: “لن يتقدم المغرب في مؤشرات التنمية البشرية العالمية ما لم يقتسم الرجال والنساء السلطة والثروة والثقافة داخل البيت وفي الفضاء العام”.