كشفت دراسة حديثة عُرضت في الاجتماع السنوي للأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب عن علاقة وثيقة بين انخفاض “العمر البيولوجي” للإنسان وتعزيز صحة الدماغ، حيث أثبتت النتائج أن الأشخاص الذين تمتلك أجسامهم عمراً بيولوجياً أصغر من عمرهم الزمني يتمتعون بحماية أكبر ضد السكتات الدماغية وتدهور القدرات العقلية، مؤكدة أن الشباب الحقيقي يبدأ من كفاءة الخلايا لا من عدد السنوات.
ويفرق الخبراء في هذا السياق بين نوعين من التقدم في السن؛ الأول هو “العمر الزمني” الذي يمثل عدد السنوات الفعلية التي مرت منذ الولادة، والثاني هو “العمر البيولوجي” الذي يعد المقياس الحقيقي لحالة الجسم الصحية ومدى كفاءة أجهزته الحيوية. ويشير هذا التمييز إلى أن بعض الأشخاص قد يشيخون من الداخل بسرعة أكبر أو أبطأ مما تظهره شهادات ميلادهم، بناءً على عوامل وراثية وبيئية.
وقد اعتمدت هذه الدراسة طويلة الأمد على متابعة أكثر من 250 ألف مشارك، حيث رصد الباحثون اتجاهاً مثيراً للاهتمام على مدار ست سنوات؛ فبينما تقدم المشاركون في العمر الزمني بمعدل 6 سنوات، نجحت فئة منهم في إبطاء شيخوختها البيولوجية لتسجل زيادة قدرها 4 سنوات فقط. وتؤكد هذه النتيجة أن الجسم لا يشيخ دائماً بنفس الوتيرة، وأن هناك إمكانية حقيقية للتحكم في سرعة هذه العملية.
وحذرت الدراسة من التداعيات الخطيرة لارتفاع العمر البيولوجي عن العمر الحقيقي، حيث أظهرت الفحوصات وجود تشوهات واضحة في صور الدماغ، مصحوبة بتراجع في نتائج الاختبارات المعرفية. كما كشفت البيانات عن زيادة مقلقة بنسبة 41% في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية لدى هؤلاء الأشخاص، مما يجعل العمر البيولوجي مؤشراً حيوياً للتنبؤ بالأزمات الصحية الخطيرة قبل وقوعها.
وفي المقابل، حملت النتائج بصيص أمل كبير؛ إذ إن المشاركين الذين تمكنوا من تحسين حالتهم الصحية وخفض عمرهم البيولوجي بمرور الوقت، انخفض لديهم خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 23%. كما أظهرت الفحوصات الدماغية لديهم تلفاً أقل في “المادة البيضاء”، وهي مؤشر جوهري على قوة الروابط العصبية وصحة الدماغ العامة، مما يعني أن الجسم يمتلك قدرة على استعادة حيويته إذا توفرت له الظروف المناسبة.
ويربط الباحثون هذه النتائج بجودة نمط الحياة، مشددين على أربعة عوامل حاسمة تبطئ عقارب الساعة البيولوجية؛ وهي اتباع نظام غذائي متوازن يحمي الخلايا، وممارسة الرياضة بانتظام لتقوية الأوعية الدموية، والحصول على نوم كافٍ لتجديد أنسجة الجسم، بالإضافة إلى الحفاظ على ضغط دم مستقر لحماية الشرايين الدقيقة في الدماغ من التلف.
وخلصت الدراسة إلى أن الاهتمام بالصحة العامة لا يحسن جودة الحياة فحسب، بل يعمل كدرع واقٍ للدماغ من أمراض الشيخوخة. فمن خلال تبني عادات صحية بسيطة ومستمرة، يمكن للإنسان أن يقلص عمره البيولوجي، ويضمن لنفسه شيخوخة آمنة بعيدة عن مخاطر السكتات الدماغية والضعف الإدراكي.

