شهد المغرب، منذ ثمانينيات القرن الماضي، تحولات اقتصادية عميقة ارتبطت بتفاقم أزمة الديون، شأنه شأن العديد من بلدان الجنوب العالمي.
وقد شكلت هذه الأزمة مدخلاً لفرض سياسات التقشف وبرامج التعديل الهيكلي من طرف المؤسسات المالية الدولية، وهي سياسات قامت على تقليص دور الدولة الاجتماعي عبر خوصصة الخدمات العمومية، تجميد الأجور، ورفع الدعم عن المواد الأساسية.
وفي هذا السياق،قالت فاطمة بلمداحي عضو جمعية أطاك المغرب، أكدت أن الدولة لم تعد تضطلع بدورها التقليدي في ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم، بل أُعيد توجيه المسؤولية نحو الأفراد، خاصة الأسر الهشة، التي وجدت نفسها مجبرة على اللجوء إلى الاقتراض لتلبية احتياجاتها الأساسية. وهكذا، برزت القروض الصغرى كأداة يُروَّج لها باعتبارها وسيلة لمحاربة الفقر وتعزيز الإدماج المالي، لكنها في الواقع تطرح إشكالات عميقة تتعلق بطبيعتها ووظائفها.
وعرف قطاع القروض الصغرى في المغرب نمواً ملحوظاً منذ بداية الألفية، قبل أن يهتز سنة 2008 بسبب تراكم الديون، حيث أصبح المقترضون يلجؤون إلى قروض جديدة لتسديد قروض سابقة. ومع صدور القانون 50.20 المتعلق بالتمويل الأصغر، دخل القطاع مرحلة جديدة، إذ سُمح للمؤسسات بالتحول إلى شركات مساهمة، ما كرس انتقالها من منطق اجتماعي تضامني إلى منطق ربحي صرف.
هذا التحول رافقته زيادات في أسعار الفائدة، التي غالباً ما تفوق تلك المعتمدة في النظام البنكي التقليدي، إضافة إلى تنويع الخدمات المقدمة مثل التأمينات الصغرى والرقمنة، مما عمّق ارتباط الفئات الهشة بالمنظومة المالية في مختلف تفاصيل حياتها اليومية.
وتشير المعطيات إلى أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من المستفيدين من القروض الصغرى، حيث يُنظر إليهن باعتبارهن أكثر التزاماً بالسداد. غير أن هذه الفئة نفسها هي الأكثر هشاشة اقتصادياً واجتماعياً، إذ تعمل غالباً في أنشطة ذات دخل ضعيف وغير مستقر.
وتُظهر الدراسات الميدانية أن جزءاً كبيراً من هذه القروض لا يُستخدم لتمويل مشاريع مدرة للدخل، بل لتغطية مصاريف استهلاكية أساسية كالتعليم والصحة والسكن. وهو ما يجعل عملية السداد صعبة، خاصة في ظل غياب دخل قار، مما يؤدي إلى الوقوع في دوامة مديونية مفرطة.