بينما يرتج مضيق هرمز تحت وطأة تقلبات جيوسياسية حادة في هذا الشهر من أبريل 2026، يجد المغرب نفسه أمام لحظة فارقة لتحويل التحديات الوجودية إلى فرص للسيادة الحقيقية. إن ما نرسمه اليوم، بين دبلوماسية استباقية ومشاريع تكنولوجية طموحة، ليس مجرد استجابة تقنية، بل هو وضع لأسس مرونة وطنية شاملة تضمن الماء والطاقة والكرامة لكل المغاربة.
أولاً: صدمة “هرمز”.. ناقوس الخطر والسيادة الطاقية
لقد شكل إغلاق المضيق اختباراً قاسياً لمنظومتنا، حيث قفزت أسعار الوقود إلى مستويات مستفزة للقدرة الشرائية (14.50 درهماً للتر الغازوال). وبالرغم من نجاح الدبلوماسية المغربية في تأمين إمدادات بأسعار تفضيلية عبر رأس الرجاء الصالح، إلا أن الدروس المستفادة واضحة: لا سيادة حقيقية مع الارتهان الدائم للمضايق البعيدة وتقلبات الأسواق الدولية.
ثانياً: التكنولوجيا في خدمة الحق في الماء والطاقة
إن الرد المغربي يكمن في المزاوجة الاستراتيجية بين الطاقة النووية وتحلية المياه. إن تشغيل المفاعلات النمطية الصغيرة (SMR) ليس ترفاً تقنياً، بل هو ضرورة لتأمين 500 ألف متر مكعب من الماء الشروب يومياً، وحماية أمننا الغذائي وحق الأجيال القادمة في الثروة المائية. إن استخراج اليورانيوم من فوسفاطنا هو مفتاح التحرر الطاقي وبناء صناعة وطنية “نظيفة” تتماشى مع طموحاتنا البيئية والاجتماعية.
ثالثاً: الاستثمار في “الذكاء الوطني”.. معركة الكرامة المهنية
رؤيتنا لا تقوم على المنشآت، بل على الإنسان. نحن بصدد تكوين “نخبة وطنية” من 200 كادر سنوياً، لكن التحدي الأكبر يظل هو العدالة المجالية والمهنية:

• بناء الخبرة: عبر تعزيز دور المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية (المعمورة) والجامعات الكبرى (EMI, EHTP, UM6P).
• الحفاظ على العقول: لا يمكننا بناء سيادة بـ “نزيف الأدمغة”. يجب إقرار نظام أساسي عادل لمهندسينا، يوفر شروطاً مادية ومعنوية تجعل من البقاء في الوطن خياراً للكرامة والتميز، وليس مجرد واجب.
رابعاً: نداء للمسؤولية.. من أجل حكامة وطنية ديمقراطية
إن هذا المشروع الاستراتيجي يتطلب تعبئة وطنية تفوق الحسابات الضيقة. إننا ندعو النخب السياسية والإدارية إلى الارتقاء لمستوى التطلعات الشعبية عبر:
1. النجاعة والشفافية: القطع مع البيروقراطية المعرقلة وتبني حكامة صارمة تليق بحساسية القطاع النووي.
2. التوافق الوطني: جعل قضايا الماء والطاقة فوق الأجندات الانتخابية، باعتبارها حقوقاً أساسية لا تقبل التأجيل.
3. النزاهة المطلقة: الأمان النووي هو أمان للمجتمع ككل، ولا مجال فيه لأي تهاون في التدبير.

التكنولوجيا جاهزة، والمهندسون في الميدان. ما نحتاجه اليوم هو إرادة سياسية وإدارية منسجمة تماماً مع هذا الطموح التاريخي. لقد ولى زمن الانتظار، وحان وقت الفعل المسؤول لبناء مغرب السيادة والعدالة. التاريخ يراقبنا، ومستقبل الشعب المغربي أمانة في أعناقنا.