في خضم التحولات التي يشهدها ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب، برزت الرقمنة كرافعة مركزية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، ليس فقط على مستوى تبسيط المساطر، بل أيضاً في تكريس منطق جديد قائم على الاستحقاق والشفافية.
هذا ما خلص إليه تقرير حديث لمرصد العمل الحكومي، الذي اعتبر أن نجاح هذا الورش لم يكن رهين الإرادة السياسية وحدها، بل تأسس على خيار استراتيجي واضح جعل من الرقمنة أداة حاسمة لضمان فعالية الولوج إلى الخدمات الاجتماعية.
وأوضح التقرير أن المغرب انتقل من نموذج تقليدي في تدبير الملفات الاجتماعية، كان يعتمد على الوسائل الورقية والتقديرات البشرية، إلى منظومة رقمية متكاملة ترتكز على قواعد بيانات دقيقة ومُحيّنة. وفي هذا السياق، شكل كل من السجل الاجتماعي الموحد والسجل الوطني للسكان حجر الزاوية في هذا التحول، حيث مكّنا من بناء قاعدة معلوماتية تعتمد على مؤشرات اقتصادية واجتماعية موضوعية، ما أتاح تجاوز اختلالات الاستهداف التي طبعت مراحل سابقة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن هذه البنية الرقمية مكنت من تحديد الفئات المستحقة للدعم بدرجة عالية من الدقة، مما ساهم في تقليص هامش الخطأ في توجيه الموارد العمومية، وتعزيز نجاعة السياسات الاجتماعية. كما أبرز التقرير أن رقمنة مسار التأمين الإجباري عن المرض ساهمت في تسريع معالجة الملفات الطبية وتبسيط إجراءات استرجاع المصاريف، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تجربة المواطن داخل المنظومة الصحية.
ولم يقف أثر الرقمنة عند حدود النجاعة التقنية، بل امتد، وفق التقرير، إلى إحداث تحول مفاهيمي في فلسفة الحماية الاجتماعية، حيث انتقل المغرب من منطق “المساعدة” الذي كان يخضع أحياناً للاجتهاد والتقدير، إلى نظام قائم على “الاستحقاق الرقمي”، يضمن لكل مواطن حقوقه بناءً على معطيات دقيقة وشفافة.
ويعكس هذا التحول، كما يورد التقرير، توجهاً نحو ترسيخ جيل جديد من الحقوق الاجتماعية، تُدار بمنطق البيانات والمؤشرات بدل التقديرات الظرفية، في أفق بناء منظومة أكثر إنصافاً واستدامة.
كما يطرح في المقابل تحديات مرتبطة بضمان حماية المعطيات الشخصية، وتعزيز الثقة في الأنظمة الرقمية، وضمان شمولية الاستفادة دون إقصاء رقمي للفئات الهشة.
في المحصلة، يؤكد التقرير أن الرقمنة لم تعد خياراً تقنياً مكملاً، بل أصبحت شرطاً بنيوياً لنجاح ورش الحماية الاجتماعية، ورافعة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الدعم والخدمات، في سياق يتسم بارتفاع الطلب المجتمعي على النجاعة والإنصاف.