تحت غبار الركام وأصوات الجرافات التي باشرت هدم الشطر الثاني من “درب الدالية” و”زنقة محوا سعيد” بالمدينة القديمة للدار البيضاء، تتعالى صرخات مئات الأسر التي وجدت نفسها “خارج الحسابات”. فبينما تمضي السلطات في تنزيل مشروع “المحج الملكي” المتعثر منذ عقود، يجد سكان أصليون أنفسهم أمام “نظام معلوماتي” (Système) لا يعترف بوجودهم، رغم حيازتهم لوثائق ملكية (رسوم عقارية) وجذور تضرب في عمق الحي لأكثر من نصف قرن.
المشهد في المدينة القديمة اليوم يختزل مفارقة مؤلمة؛ ففي الوقت الذي يؤكد فيه المبعدون أنهم يملكون “تيترات” (شهادات ملكية) ومسجلون في المحافظة العقارية، يشتكون من إقصائهم من قوائم المستفيدين من السكن البديل.
ويقول أحد المتضررين، وهو رجل يبلغ من العمر 62 سنة ويعاني من أمراض مزمنة (السكري): “نحن أبناء هذه الحومة، ولدنا هنا وترعرعنا هنا، والدي كان معروفاً في مارشي باب مراكش.. كيف يعقل أن نصبح عرضة للتشرد ونحن نملك أوراقنا القانونية؟”. وتتكرر الشهادات التي تتهم “أيدي خفية” بالتلاعب في اللوائح، حيث يتحدث السكان بحرقة عن “دخلاء” استفادوا من شقق السكن البديل رغم حداثة عهدهم بالحي، في حين يُترك “أولاد البلاد” يواجهون قدرهم في الشارع.
الوضع لم يتوقف عند حدود الاحتجاج اللفظي، بل وصل إلى درجات قصوى من اليأس. فوق أحد الأسطح، اعتصم شاب من أبناء المنطقة مكبلاً نفسه بالسلاسل، مهدداً بالانتحار بعدما وجد اسمه غائباً عن “السيستم”، رغم أن والده وعائلته من أعمدة الحي المعروفين.
هذه الحالة، تنضاف إلى مأساة “مي حبيبة” الناشطة الجمعوية التي رفضت مغادرة بيتها رغم الهدم، وحالة “با موح” وغيرهم من المسنين الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. ويناشد السكان المسؤولين، وعلى رأسهم والي جهة الدار البيضاء-سطات، السيد محمد مهيدية، وعامل الإقليم، بالتدخل المباشر لإنصافهم، خاصة وأن هناك أخباراً تروج عن تعليمات صارمة من الوالي بتمكين كل من يثبت قطونه الفعلي بالحي من سكنه البديل، وهي التعليمات التي يقول السكان إنها “لم تجد طريقها للتنفيذ على أرض الواقع”.
وفي ظل هذا الاحتقان، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح تحقيق “نزيه وشفاف” في ملف “المحج الملكي” منذ بداياته عام 1989. ويرى فاعلون محليون أن الملف عرف خروقات جسيمة وتلاعبات من طرف بعض “رجال السلطة السابقين”، مما أدى إلى ضياع حقوق الدولة والمواطنين على حد سواء.
ويؤكد المحتجون: “نحن لسنا ضد التنمية، ولسنا ضد جعل الدار البيضاء مدينة ذكية ونظيفة، لكننا ضد العشوائية في الترحيل، وضد تشريد أسر تملك أصولاً عقارية وقانونية ثابتة”.
يبقى التساؤل المطروح في أزقة المدينة القديمة: إلى متى سيبقى “السيستم” هو الحاكم في مصير أسر لا تطلب سوى حقها في سكن يحفظ كرامتها، وهل تتدخل السلطات المركزية لطي هذا الملف الذي تحول من مشروع تنموي طموح إلى مأساة اجتماعية تؤرق مضجع العاصمة الاقتصادية؟