زكّت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن مديرية البحث والتخطيط المائي بوزارة التجهيز والماء، السبت، حدوث تحول جذري ومفصلي في الوضعية المائية للمملكة المغربية. فمع اقتراب ذروة فصل الصيف، كشفت الأرقام عن قفزة نوعية في احتياطيات السدود، مكرسةً “صمام أمان” استراتيجي يضمن تزويداً مستقراً ومريحاً بالماء الشروب، ويُنهي رسمياً شبح الانقطاعات الذي أرهق المغاربة في السنوات الأخيرة.

وفقاً للتقارير الصادرة اليوم السبت، بلغت نسبة الملء الإجمالي لسدود المملكة 76.12 في المائة، وهو رقم يعكس فارقاً شاسعاً مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية (2 ماي 2025) التي لم تكن تتجاوز فيها النسبة 40.47 في المائة.

هذا الانتعاش، الذي جاء بفضل فعالية التساقطات المطرية والثلجية الاستثنائية، رفع المخزون المائي المتوفر فعلياً إلى 13 ملياراً و81 مليون متر مكعب، بزيادة تناهز 35.65 في المائة عن العام الماضي. ومن الناحية التقنية، تمنح هذه الأرقام الحكومة هامشاً مريحاً يغنيها عن اتخاذ أي إجراءات اضطرارية لتقنين المياه أو خفض الصبيب في المدن الكبرى خلال شهري يوليوز وغشت.

تؤكد المعطيات أن الحواضر الكبرى مثل الرباط، الدار البيضاء، طنجة، فاس، ومراكش، باتت مرتبطة بسدود تتجاوز نسبة ملئها 85 في المائة، مما يؤمن احتياجاتها من الماء الشروب لمدة تتراوح بين سنتين إلى خمس سنوات حسب كل منطقة.

وبعيداً عن مياه الشرب، ساهم امتلاء السدود في تخفيف الضغط على الفرشات المائية الجوفية، ومنح “قُبلة حياة” للقطاع الفلاحي؛ حيث تضمن المخزونات المرتفعة في أحواض الشمال والوسط دورات سقي منتظمة، مما يبشر باستقرار أسعار المنتجات الفلاحية الصيفية.

باستقراء التوزيع الجغرافي للأحواض المائية، نجد أن:

حوض اللوكوس: يتصدر المشهد بنسبة ملء 92.64%، مع وصول سدود محورية (النخلة، شفشاون، الشريف الإدريسي) إلى طاقتها الاستيعابية القصوى (100%).

حوض أبي رقراق: حقق تحولاً مبهراً ببلوغه 92.08%، حيث سجل سد “سيدي محمد بن عبد الله” (المزود الرئيسي لمحور الرباط-البيضاء) نسبة 93.16%.

حوض سبو: حافظ على مكانته كقلب نابض للفلاحة بنسبة 88.12%، مدعوماً بسد “الوحدة” الذي يختزن وحده أكثر من 3 مليارات متر مكعب.

حوض ملوية وتانسيفت: سجلا “مناطق تعافٍ” واضحة بنسب ملء بلغت 74.63% و94.66% على التوالي، مما يؤمن حاجيات الجهة الشرقية ومدينة مراكش السياحية.

رغم الإيجابية العامة، لا تزال بعض المناطق تتطلب تدبيراً عقلانياً؛ فحوض أم الربيع سجل 64.74% (مقارنة بـ 12% فقط العام الماضي)، غير أن سد “المسيرة” (ثاني أكبر سد) لا يزال عند مستويات 40.55%. وفي أقصى الجنوب، أظهر حوض سوس ماسة تحسناً ملحوظاً (56.10%)، بينما تظل أحواض “درعة واد نون” و”زيز كير غريس” تحت تأثير المناخ الجاف بنسب أقل، مما يستوجب استمرار اليقظة في تدبير مواردها.

وبالرغم من هذه النتائج المطمئنة، يشدد الخبراء على ضرورة عدم التراخي؛ ففصل الصيف يرفع وتيرة ضياع المياه عبر “التبخر”، مما يستوجب ترسيخ ثقافة “الاقتصاد في الماء” كسلوك مواطن دائم، وليس كإجراء مرتبط بسنوات الجفاف فقط.

يُنتظر أن يدخل المغرب صيف 2026 برصيد مائي غير مسبوق في العقد الأخير، مما يترجم نجاعة السياسة المائية الوطنية في تحويل التحديات المناخية إلى فرص للاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store