تحول الرواق المشترك للهيئات الدستورية بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، في دورته الـ31، إلى خلية نحل ثقافية بامتياز، حيث سطر مجلس الجالية المغربية بالخارج برنامجاً فكرياً حافلاً يمتد من 30 أبريل إلى 10 مايو، مكرساً دوره كمنصة للحوار بين المبدعين والمفكرين من مغاربة العالم وبين جمهور العاصمة.
في مستهل اللقاءات، استضاف الإعلامي نعيم كمال الباحث في علم الاجتماع إدريس أجبالي، لمناقشة مؤلفه الأحدث “الهجرة والسياسة، المعادلة المغربية”. واستعرض أجبالي، وهو خريج جامعة ستراسبورغ وصاحب التجربة الطويلة في قضايا الضواحي والعنف الحضري، كيف تتداخل الهجرة مع الفعل السياسي، مستنداً إلى رصيده الفكري الذي شمل مؤلفات سابقة تناولت وجوه الصحافة المغربية وإشكاليات الاندماج في أوروبا، ليرسم ملامح الخصوصية المغربية في تدبير ملف الهجرة.
ولم يغب الشعر عن المشهد، حيث احتفى الرواق بديوان الشاعر حسن نجمي “ضوء المغاربة: قصائد تعبر القارات”. اللقاء الذي سيره منير السرحاني بمشاركة عبد الإله الصالحي وخالد الريسوني، سلط الضوء على قدرة الكلمة المغربية على تخطي الحدود الجغرافية والاستقرار في وجدان المهاجر والوطن على حد سواء.
وفي سياق متصل، أجرى الإعلامي عبد الله الترابي حواراً عميقاً مع الروائي العالمي الطاهر بنجلون حول كتابه “مراسل حر في جريدة لوموند”، مستعرضاً تجربة بنجلون الفريدة في الصحافة الفرنسية وكيف ساهمت رؤيته “المهاجرة” في إثراء الساحة الإعلامية والأدبية الدولية.
وفي لحظة تأمل فلسفية، احتفى المجلس بمرور 900 سنة على ميلاد الفيلسوف القرطبي ابن رشد (1126-2026). وتحت عنوان “راهنية ابن رشد”، أكد الأكاديميان فؤاد مليح وعلي بن مخلوف أن إرث هذا العالم لا يزال ينبض بالحياة، خاصة في دعوته لإعمال العقل وإقامة الحوار بين الإيمان والفلسفة. وأبرز المشاركون أن الفكر الرشدي يمثل اليوم ترياقاً لخطابات الانغلاق، وجسراً أندلسياً يكرس قيم النقد والتحليل التي يحتاجها العالم المعاصر.
الرواية النسائية سجلت حضوراً قوياً من خلال استضافة الكاتبة سميرة العياشي، المتوجة مؤخراً بالجائزة الكبرى لقارئات مجلة “ماري كلير”. وفي حوار مع الناشرة فاطمة أوساك، تحدثت العياشي عن روايتها الجديدة “مدام بوفاري، أمي وأنا” (2026)، مستحضرة مسارها الإبداعي الحافل الذي بدأ منذ سن السادسة عشرة، وتوج بوسام الفنون والآداب الفرنسي. العياشي التي عُرفت بنصوصها الملتزمة بقضايا الأمهات العازبات والذاكرة العمالية (مثل “بطن الرجال”)، قدمت في روايتها الجديدة مزيجاً من الأدب الكلاسيكي العالمي والذاكرة الشخصية المغربية.
تثبت هذه اللقاءات المتنوعة، التي يجمعها قاسم “التعددية”، أن مغاربة الخارج ليسوا مجرد أرقام اقتصادية، بل هم سفراء فكر وإبداع يساهمون في تحديث الخطاب الوطني. ويستمر رواق مجلس الجالية في استقبال زواره طيلة أيام المعرض، واعداً بمزيد من الغوص في قضايا الهوية والذاكرة والإنتاج الفكري العابر للحدود.