بكلمات مفعمة بالحزن والاعتزاز، نعى الفنان المغربي رشيد الوالي هرم الأغنية المغربية الراحل عبد الوهاب الدكالي، معتبراً أن فقدانه ليس خسارة للمغرب فحسب، بل للفن العربي والعالمي. وأكد الوالي، في شهادة مؤثرة، أن صدى هذا الرحيل يتردد بقوة في المشرق والخليج العربي، حيث يحظى الدكالي بتقدير استثنائي كواحد من كبار المبدعين الذين طبعوا تاريخ الموسيقى العربية.
أبرز رشيد الوالي أن الجيل الجديد، الذي قد يختزل صورة الدكالي في أغانيه الشهيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يحتاج إلى البحث بعمق في سيرة هذا الرجل. ووصفه بأنه “من المؤسسين الأوائل”، ليس فقط في مجال الموسيقى، بل وفي المسرح والأوبرا والسينما، مستحضراً مشاركاته الوازنة في أفلام سينمائية في وقت كانت فيه الإنتاجات نادرة، مثل فيلم “الحياة كفاح”.
وقال الوالي: “تعلمت من عبد الوهاب الدكالي أن الفنان الحقيقي لا يؤمن بالتخصص الضيق؛ فقد كان يسكنه المسرح والسينما والموسيقى في آن واحد”. وأضاف أن الدكالي كان “سابقاً لزمانه”، حيث كان من أوائل من خاضوا غمار “الفيديو كليب” واعتمدوا الأغاني القصيرة التي لا تتجاوز ثلاث دقائق، في وقت كان السائد فيه هو الأغاني الطويلة التي تمتد لساعة، مما يعكس عبقريته في استشراف مستقببل الفن.
وفي لحظة استرجاع لذكريات بداياته الفنية في منتصف التسعينيات (1995-1996)، كشف رشيد الوالي عن جانب إنساني نبيل في شخصية الراحل. وروى الوالي كيف استقبله الدكالي في بيته ليجده قد أعد له مفاجأة “نادرة”، حيث كان يصور سهرة تلفزيونية، وطلب منه فجأة أن يشاركه الغناء رفقة الفنانة لطيفة رأفت في أغنية “أو مالو”.
واعتبر الوالي أن ذلك الموقف كان بمثابة “أول اعتراف فني” يحصل عليه من نجم بحجم الدكالي، مشيراً إلى أن ذلك الاحتضان كان له أثر عميق في مسيرته. وقال: “لقد كان درساً لي في كيفية مد اليد للشباب؛ فاليوم أمد يدي للجيل الصاعد لأنني أتذكر جيداً كيف قدم لي الكبار المساعدة، ولو بكلمة تشجيع واحدة”.
واختتم رشيد الوالي تصريحه بالتأكيد على أن حجم التعازي التي تتقاطر من مختلف دول العالم، ومن شخصيات رفيعة وأمراء، يعكس القيمة الحقيقية لهذا الفنان الذي وهب حياته للفن الراقي. وختم قائلاً: “رحم الله عبد الوهاب الدكالي، لقد عاش عملاقاً ورحل تاركاً وراءه إرثاً لا ينضب، ومدرسة في الإبداع والتعددية والوفاء”.
بكلمات ملؤها الأسى والتبجيل، نعى أيضا الفنان المغربي عمر عزوزي رحيل الموسيقار الكبير عبد الوهاب الدكالي، واصفاً إياه بـ “الورقة التي سقطت والنجمة التي انطفأت” من سماء الإبداع المغربي. واعتبر عزوزي في شهادة مؤثرة أن الدكالي لم يكن مجرد مطرب، بل كان “رجلاً عظيماً في كل شيء”، بدءاً من فنه الرفيع وصولاً إلى أناقته وتفاصيل شخصيته الفريدة.
دعا عمر عزوزي كل من يريد التعرف بعمق على عظمة الراحل إلى زيارة “متحف عبد الوهاب الدكالي” الكائن بالطابق السابع عشر في “عمارة الحرية” الشهيرة بالدار البيضاء. وأوضح عزوزي أن هذا المكان ليس مجرد متحف، بل هو خزانة لذاكرة فنية وتاريخية نادرة، تضم ألبسة الراحل الراقية، وآلاته الموسيقية التي عزفت أجمل الألحان، فضلاً عن الأوسمة الرفيعة والشواهد التي نالها من ملوك ورؤساء دول وشخصيات عالمية مرموقة.
واستعاد عزوزي شريط ذكرياته مع الدكالي، مشيراً إلى أن لقاءهما الأول يعود إلى سنة 1983، حينما كان عزوزي منشطاً بالأعمال الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية، وكان الدكالي ضمن الجولة الفنية. ومنذ ذلك الحين، تطورت العلاقة لتصبح صلة عائلية وثيقة، وتعززت من خلال العمل المشترك في “مؤسسة عبد الوهاب الدكالي للثقافة والفنون”.
وكشف عزوزي عن آخر تواصل هاتفي بينهما، والذي كان بمناسبة عيد ميلاد الدكالي في 31 ديسمبر الماضي، وهو التاريخ الذي دأب فيه الراحل على الاحتفال بذكرى ميلاده في ليلة رأس السنة.
لم يخفِ عزوزي صدمته من ظروف الوفاة، معتبراً أن فقدان شخص ذهب إلى المصحة “على قدميه” لإجراء عملية بسيطة ثم خرج منها جثة هامدة هو “قضاء وقدر” يصعب استيعابه. وأكد أن روحه ستظل حاضرة بين زملائه الفنانين بفضل إرثه الإنساني، مستحضراً “أطيب خلق الله” في التعامل، وآخر مأدبة عشاء جمعتهما في قمة سعادته وفرحه.
وأشار عزوزي إلى أن الدكالي كان يحمل هماً كبيراً تجاه “الأغنية المغربية العصرية”، حيث كان يوصي دائماً بالاعتناء بها والحفاظ على هويتها، معتبراً إياها الوجه المشرق للمغرب في الخارج.
واختتم عمر عزوزي شهادته بالتأكيد على أن اسم عبد الوهاب الدكالي هو “جواز سفر” لكل فنان مغربي في العالم العربي. وقال: “حين نسافر ويجهل البعض أسماءنا، يكفي أن نذكر أننا من بلد أغاني (ما أنا إلا بشر) أو (كان يا ما كان)، ليرد الجميع بتقدير: (آه.. بلد الأستاذ الدكالي)”. وختم قوله بالدعاء للفقيد بالرحمة ولعائلته بالصبر والسلوان.