اعتبر مجلس المنافسة أن مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لولوج مهنة المحاماة يتضمن مقتضيات تستدعي إعادة تقييم من زاوية أثرها على المنافسة وتكافؤ الفرص، مميزا بين القيود التي تخدم مصلحة عامة فعلية وأخرى تتحول إلى حواجز غير مبررة أمام دخول كفاءات جديدة إلى سوق الخدمات القانونية.
وأوضح المجلس، في رأي أصدره حول وضعية المنافسة بخصوص شروط ولوج وممارسة المهنة، أنه اعتمد “اختبار التناسبية” لتحليل مختلف القيود الواردة في المشروع، وهو معيار يتجاوز مجرد مشروعية القيد قانونيا، ليشمل قياس ملاءمته وضرورته ومدى انسجامه مع مبدأ تكافؤ الفرص، إلى جانب أثره على دينامية المنافسة وجودة الخدمات القانونية وكلفة الولوج إلى العدالة.
وخلص المجلس إلى أن شروطا من قبيل اعتماد شهادة الماستر والتكوين المتخصص للترافع أمام محكمة النقض تستجيب لمتطلبات الرفع من جودة المهنة، في حين اعتبر أن استمرار العمل بشرط السن وغياب معايير موحدة لرسوم الانخراط يشكلان قيودا تنظيمية غير مبررة تحد من المنافسة وتضيق فرص ولوج المهنة أمام كفاءات جديدة.
وضع مجلس المنافسة شرط السن -المحدد حاليا في ألا يتجاوز المترشح 45 سنة عند اجتياز مباراة ولوج معهد تكوين المحامين- في صدارة القيود التي اعتبرها غير مبررة، متسائلا عن مدى صلاحية العمر كمؤشر موضوعي على الكفاءة المهنية، في ظل غياب معطيات تثبت وجود علاقة مباشرة بين السن والأهلية لممارسة المحاماة.
ولفت المجلس إلى أن الإشكال يزداد حدة حين يستفيد بعض المحامين الأجانب، في إطار اتفاقيات المعاملة بالمثل، من شروط تنظيمية مغايرة لتلك المفروضة على المحامين المغاربة، بما فيها بعض المقتضيات المرتبطة بالسن، وهو ما يطرح بحسبه نقاشا حول المساواة في الولوج إلى المهنة.
واستند المجلس في رأيه إلى مقارنة مع أنظمة قانونية أخرى، مبرزا أن فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا لا تعتمد سقفا أقصى للسن لولوج المهنة، خلافا لتونس، وإنما تعتمد على المؤهلات العلمية والكفاءة المهنية معيارا أساسيا. وأضاف أن الإبقاء على هذا الشرط لا يقتصر أثره على تقليص عدد المترشحين، بل يحرم المهنة من استقطاب كفاءات راكمت خبرات مهنية أو أكاديمية سابقة، ويقلص تنوع مواردها البشرية.
لم يقتصر انتقاد المجلس على شرط السن، إذ امتد إلى الحواجز المالية أمام ولوج المهنة، معتبرا أن طريقة تحديد واجبات الانخراط من طرف هيئات المحامين، في غياب معايير وطنية موحدة، تطرح إشكالا مرتبطا بتكافؤ الفرص وحرية الولوج إلى سوق الخدمات القانونية.
وأشار إلى أن مشروع القانون، رغم توجهه نحو تأطير هذه الرسوم ضمن مرجعية تنظيمية عامة، أبقى تحديد قيمتها رهينا بالنصوص التنظيمية دون سقف أو ضوابط وطنية واضحة، ما يفتح الباب أمام استمرار التفاوت بين الهيئات.
وقدم المجلس أمثلة على هذا التفاوت: فهيئة مراكش حددت واجب الانخراط في 130 ألف درهم للطلبة المغاربة، و400 ألف درهم للقضاة وأساتذة التعليم العالي، ومليون درهم للمحامين الأجانب في إطار المعاملة بالمثل؛ فيما حددته هيئة طنجة في 150 ألف درهم للعموم و300 ألف درهم لباقي الفئات؛ في حين يبلغ بهيئة الرباط 100 ألف درهم للعموم و200 ألف درهم لباقي الفئات.
واعتبر المجلس أن الأصل في رسوم القيد هو المساهمة في تغطية التكاليف الإدارية للهيئات، إضافة إلى الاشتراكات السنوية الممولة لصناديق التضامن والتقاعد والتأمين عن المسؤولية المدنية، لكنها تتحول، في غياب معايير شفافة، إلى “تذكرة دخول باهظة الثمن” لا تعكس بالضرورة الكلفة الفعلية للخدمات. ورأى أن ارتفاع كلفة الولوج قد يفسر جزئيا الفجوة بين أعداد الناجحين في مباريات الأهلية وأعداد المسجلين فعليا في جداول الهيئات.
في المقابل، تبنى مجلس المنافسة موقفا مؤيدا لاعتماد شهادة الماستر كحد أدنى لولوج المهنة، معتبرا أنه لا يندرج ضمن القيود الحمائية بل يشكل معيارا موضوعيا للرفع من التأهيل الأكاديمي والمهني. وأوضح أن اعتماد شهادة الإجازة سابقا كان مرتبطا بندرة مسالك الماستر آنذاك، غير أن الانتقال إلى نظام الإجازة في ثلاث سنوات جعل تعويضها بالماستر ضروريا، نظرا لما يوفره من خمس سنوات تكوين تشمل إعداد بحث أكاديمي والتدرب على منهجيات البحث والوسائل البديلة لفض المنازعات.
وأيد المجلس توسيع الجسور المؤدية إلى مهنة المحاماة أمام كفاءات راكمت خبرة قانونية خارج المهنة، بما يشمل الأطر القانونية بالإدارات العمومية، وموظفي هيئة كتابة الضبط ذوي الممارسة الفعلية بالمحاكم، والمستشارين القانونيين بالمقاولات. في المقابل، أبدى تحفظه على الجمع بين صفة أستاذ التعليم العالي في القانون وممارسة المحاماة في آن واحد، مستحضرا تجربة إسبانيا التي تميز بين الأساتذة المتفرغين وغير المتفرغين في هذا الصدد.
وأيد المجلس كذلك المقتضيات الجديدة المنظمة للترافع أمام محكمة النقض، التي تقصر هذا الحق على المحامين الذين راكموا 10 سنوات من الأقدمية بدل 15 سنة في النظام السابق، مع اشتراط تكوين خاص تشرف عليه السلطة الحكومية المكلفة بالعدل. ويسمح المشروع لفئات أخرى، كقدماء القضاة وأساتذة التعليم العالي، بالترافع بعد خمس سنوات من التسجيل واستيفاء التكوين ذاته، في ما اعتبره المجلس انتقالا من نموذج يقوم على الأقدمية الزمنية إلى نموذج يربط الخبرة بالتكوين المتخصص.