ماشاء الله يا بونو، هو حارسٌ يحترمه الخصم قبل مناصريه، حارسٌ لا تكفي عين الإعجاب لوصفه، ولا تكفي كلمة “شكرا” لتفي بحقّه على المغرب وعلى كل من أحبّ هذا الفريق.
ماشاء الله، من مونتريال البعيدة وُلد هذا الرجل عام 1991، لكنّ قلبه اختار المغرب منذ اليوم الأول. عاد طفلا إلى أرض الأجداد، وفي أزقة الدار البيضاء اكتشف والده أنّ في هذا الصبي شيئا استثنائيا ثمانية أعوامٍ فقط كان يحملها حين دخل مدرسة الوداد البيضاوي، وهناك وُلدت أسطورة حارسٍ سيقود منتخب بلاده إلى حيث لم يصل عربيٌّ ولا أفريقيٌّ من قبل.
من الدار البيضاء إلى جيرونا، ومن جيرونا إلى إشبيلية، خطٌّ بيانيٌّ لا يعرف إلا الصعود، أكثر من مئتين وخمسين مباراة في أرض الأندلس، وأكثر من سبعين بالمئة نسبة تصدٍّ، رقمٌ لا يبلغه إلا القلائل وفي موسم 2021-2022، جلس على عرش الحراسة الإسبانية بجائزة زامورا، متجاوزاً عملاقين اسمهما تيبو كورتوا ويان أوبلاك.
وفي ليلةٍ لن تُنسى، نهائي الدوري الأوروبي أمام روما، وضغط الترجيح الذي يكسر الأعصاب، لكنّ بونو لم يُكسر. تصدّى لركلتين، ورفع الكأس، وأصبح أول حارسٍ عربيٍّ يفعلها. توقيعٌ متكرّر لرجلٍ اعتاد أن يكون الأبرز حين تكون اللحظة أصعب ما يكون.
وفي قطر حين توقّف العالم كلّه ليشاهد المغرب يكتب التاريخ، كان بونو الحجر الأساس. تصدى لركلتين أمام إسبانيا، وحافظ على نظافة شباكك في ثلاث مباريات متتالية، ليقود “أسود الأطلس” إلى نصف نهائي كأس العالم، إنجازٌ لم يبلغه عربيٌّ ولا أفريقيٌّ طوال تسعين عاماً من عمر المونديال.
انتقل بونو بعدها إلى الهلال السعودي، حاملاً معه إرثاً لا يُشترى، وواصلت جمع الألقاب: أفضل حارسٍ في الدوري السعودي، والقفاز الذهبي لأفضل حارسٍ في كأس أمم أفريقيا 2025. امتدادٌ لسلالة عمالقة الحراسة المغربية، بادو الزاكي وعلال بنقصو وحميد الهزاز، لكنّك تجاوزتهم جميعاً لتصبح أول حارسٍ عربيٍّ وأفريقيٍّ يُرشَّح لجائزة الكرة الذهبية.
ماشاء الله يا بونو، ها أنت في الخامسة والثلاثين تكتب فصلاً جديداً في مونديال 2026. عرينٌ نظيف أمام إسكتلندا وهايتي وكندا، ثم المعجزة من جديد أمام هولندا، ركلة ترجيحٍ حاسمة حملت منتخبك إلى دور الستة عشر.
وفي ربع النهائي، وقفتَ وحيداً أمام عاصفةٍ فرنسية اسمها مبابي وديمبيلي، صدّيت ركلة جزاء، وأبعدت محاولاتٍ كانت أهدافاً محقّقة، وأجّلت السقوط حتى الشوط الثاني، حين استسلمتَ أخيراً أمام موهبةٍ استثنائية لا يقف أمامها أحد.
ماشاء الله عليك يا بونو، سقط المغرب، لكنّك لم تسقط، خرجت من الملعب كما دخلته دائماً: رأسك مرفوعة، وابتسامتك لم تفارقك، وسجلّك المهيب لم يتلوّث بأي مسؤولية عن الهزيمة.
ماشاء الله يا بونو، حارسٌ لا يُقاس بعدد الأهداف التي استقبلها، بل بعدد المرّات التي أنقذ فيها حلماً كاملاً من السقوط. من مونتريال إلى الدار البيضاء، ومن إشبيلية إلى الرياض، ظللتَ الحارس الذي لا تُكتب قصة “أسود الأطلس” الحديثة من دونه، والاسم الذي سيبقى محفوراً في ذاكرة كرة القدم العربية طويلاً بعد أن تُطوى صفحة هذا المونديال.

