خلصت دراسة أكاديمية حديثة إلى أن منظومة التكوين المهني في المغرب تعيش تحولاً جذرياً في نموذجها التدبيري، حيث انتقلت من الأسلوب الإداري التقليدي الممركز إلى مقاربة حديثة تقوم على الحكامة التشاركية والجهوية واستشراف احتياجات سوق الشغل. ومع ذلك، نبهت الدراسة إلى أن هذا المسار الإصلاحي لا يزال يصطدم بـ “عقبات بنيوية” تحول دون تحقيق الملاءمة التامة بين مخرجات التكوين ومتطلبات التنمية الترابية والتشغيل.

الدراسة التي نُشرت في فاتح يونيو 2026، وأنجزها الباحثان مها بولارطال وجمال تسولي مستايكد من كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أكدت أن الإصلاحات المتراكمة – خاصة منذ خارطة الطريق لسنة 2019 والاستراتيجية الوطنية لعام 2021 – لم تكن مجرد تغييرات تنظيمية، بل هي “ثورة هادئة” نحو نموذج يعتمد على إشراك الفاعلين الاقتصاديين وتعزيز البعد الجهوي.

واعتبر الباحثان أن التكوين المهني تحول إلى “رافعة استراتيجية” لمواكبة العولمة والتطور التكنولوجي، مستنداً في ذلك إلى ترسانة قانونية قوية عززها القانون الإطار 51.17، الذي منح الإصلاح صبغة إلزامية وربطه بمبادئ المساءلة والتعاقد والشفافية.

أفرد البحث حيزاً مهماً لـ “مدن المهن والكفاءات” (CMC)، واصفاً إياها بأنها “أبرز ابتكار مؤسساتي” في خارطة الطريق الجديدة. وتكمن قوة هذه المدن في كونها تتبنى مقاربة ترابية تربط العرض التكويني بالأولويات الاقتصادية لكل جهة (فلاحة، صناعة، رقمنة، ذكاء اصطناعي…)، عبر حكامة ثلاثية الأطراف تضم الدولة والجهات والقطاع الخاص.

إلا أن الدراسة شددت على أن نجاح هذه المؤسسات رهين بمدى قدرتها على إنتاج بيانات دقيقة حول احتياجات الاقتصاد الجهوي، وتجاوز منطق “تحديث البنيات” نحو منطق “جودة التكوين وملاءمته”.

رغم “التفاؤل” الذي تحمله الإصلاحات، سجلت الدراسة استمرار فجوة واضحة بين “المهارات المكتسبة” و”احتياجات المشغلين”، وهو ما يفسر استمرار معدلات البطالة في صفوف الخريجين. ورصد الباحثان عدة اختلالات لا تزال قائمة، من أبرزها:

التوتر بين المركزية والجهوية: تفاوت قدرات الجهات في تنفيذ السياسات العمومية.

ضعف انخراط المقاولات الصغرى والمتوسطة: بقاء هذه الفئة (التي تشكل نسيج الاقتصاد المغربي) بعيدة عن عملية تحديد حاجيات التكوين.

تعدد المتدخلين: ما قد يؤدي أحياناً إلى بطء اتخاذ القرار وضعف التنسيق المجالي.

وفي ختامها، دعت الدراسة إلى ضرورة الانتقال من “حكامة تفاعلية” تكتفي بالاستجابة للطلبات الحالية، إلى “حكامة استباقية” قادرة على توقع مهن المستقبل. وأكد الباحثان أن مستقبل التكوين المهني بالمغرب رهين بتقوية أنظمة المعلومات الرقمية، وتمكين الجهات من استثمار البيانات المتعلقة بالمهارات، وجعل المقاولة شريكاً حقيقياً في عملية التكوين وليس مجرد مستقبل للخريجين.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store