هي أميرة موحدية كانت لها فصاحة وبلاغة في النظم، حتى إن العديد من الباحثين في التراث يؤكدون أن الزجل المغربي وُلد على لسانها.. إنها الأميرة رميلة، شاعرة الزجل. فمن تكون هذه الأميرة الموحدية؟ وكيف كان لها أن تكون كذلك في دولة عُرف أمراؤها بمحافظتهم؟ وما علاقتها بمقتل شاعر الزجل ابن غزلة؟

فتح الموحدون، على غرار سلفهم المرابطين، المجال للمرأة لتنهل من منابع العلم، على اختلاف أنواعها، من خلال إجبارية التعليم الأولي على كل ذكر وأنثى؛ مما جعل نساء العصر الموحدي يقتحمن ميادين المعرفة، ويجلسن في حلقات العلم والمشاركة فيها.
يذكر الباحث سيدي محمد بن عبد الهادي المنوني فضل الموحدين، قائلا: “لم يقفوا بالمرأة عند هذا الحد من التثقيف، بل وسعوا نطاق تعليمها، وضربوا ببناتهم مثالا لما ينبغي أن تكون عليه المرأة المغربية”.
ومن ضمن نساء الدولة الموحدية اللواتي خلدن اسمهن في هذا العصر نجد الأميرة رميلة، أخت الخليفة الموحدي عبد المومن بن علي، مؤسس الدولة الموحدية، الذي عُرف باهتمامه  بالأدب وإكرام أهله نساء ورجالا؛ حيث كان يجلس إلى الشعراء ويستمع إليهم.
وحسب ملف أعدته عنها يومية “العلم”؛ فإن الباحثين يؤكدون أن هذه الأميرة الموحدية هي صاحبة أول صالون زجلي عرفه المغرب، وهي صاحبة السبق إلى تنظيمه منذ ظهور الزجل في المغرب، وهو نوع من الشعر المنظوم بالعامية المغربية.
وفتحت الأميرة رميلة الباب لبزوغ أسماء فتحن صالونات الملحون؛ مثل عائشة الحنفية، ومنانة الحضرية، وللا خدوج الكارة، والحاجة لعزيزية، وللا هشومة، والتوردانية، والورديغية…
هكذا يتجلى أن دور الزجالات المغربيات لم يقف عند حد النظم والإنشاد، بل تعداه إلى تنظيم أمسيات في بيوتهن، يحضرنها فحول قصيدة الملحون والحُفاظ وعشاق هذا الفن؛ مما يدل على المكانة المرموقة التي كان يحظى بها هذا اللون الفني.
لقد سجلت المرأة المغربية حضورها الفعلي في هذا المجال بإبداعات يشهد لها التاريخ وحفاظ الملحون وأشياخه كذلك، ولو أن جُل أعمال هؤلاء الزجالات، ومنهن الأميرة رميلة، لم يصلنا منه إلا النزر القليل؛ حيث وصل أغلبه مبتورا لعدم تدوينه في كنانيش.
لم تقف شهرة الأميرة رميلة عند فصاحتها وبلاغتها في النظم، بل خلد اسمها في موشحات شاعر الزجل الشهير ابن غزلة، الذي اشتهر بعشقه لها؛ حيث نظم لها شعرا يقول:
من يصيد صيدا
فليكن كما صيدي
صيدي الغزالة
من مراتع الأسد..
وتلاحظ جرأة الشاعر الشديدة في تمثيل هذا العشق الخطر والتغني به في مطلع الموشحة؛ فهو يزهو بأنه قد اصطاد غزالة من مراتع الأسود.. أميرة من بيت الخلافة، التي عرفت بالتزمت والمحافظة، ثم يتابع الشاعر في جسارة وتحد:
كيف لا أصولُ
واقتنصت وحشية
ظبية تجول
في ردا وسوسية
صاغها الجليل
فهي شبه حورية
تنثني رويدا
إذ تميس في البرد
تعجن الغلالة
والردا مع النهد..
استخدم الشاعر كلمة القنص، وهي عنيفة في دلالتها على الاستحواذ القسري، ثم يصفها بأنها وحشية لم تستأنس بعد؛ فهي ظبية تجول في أردية العز والنعمة، وإذا كان بوسعنا اليوم أن نعرف الرداء؛ فإن “السوسية” لا بد أن تشير إلى ملبس نسائي؛ كالعباءة الحريرية الفاخرة المنسوبة مثلا إلى مدينة “سوسية”.. هذه الظبية شبه الحورية تتدلل وتتثنى على مهل، وتميس في أبرادها الناعمة كأنها تعجن الغلالة الرقيقة والملابس الشفيفة بنهدها، الذي تستدعيه القافية ولا يتورع الشاعر عن ذكره.. يقول ابن غزلة:
خدها الأسيل
بدت منه أنوار
طرفها الكحيل
سُلّ منه بتار
ها أنا القتيل
فهل يؤخذ الثار؟
قد أسرت عبدا
ولم أك بالعبد
مت لا محالة
فاطلبوا دمي بعدي..
يتغزل ابن غزلة في الأميرة رميلة، من الخد الناعم المشع بالنور، والطرف الساهم المسحور؛ حيث يجعله الكحل كالسيف البتار، ثم يعلن الشاعر أنه قتيل الأمرَيْن معا، فتنة الحسناء وطرفها الصاعق، وغيرة القوم وبطشهم الشديد، ثم ينادي على من يأخذ بثأره وقد كان حرا فاستعبده العشق، وهو ميت في كل الأحوال.. وهكذا كان بالفعل، فقد قتِل ابن غزلة بسب إنشاده في الأميرة رميلة موشحة “العروس” المذكورة أعلاه.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store