أعادت احتجاجات الريف إلى الواجهة مقولة “المغرب النافع والمغرب غير النافع” أو المغرب العميق والحديث عن شريط منتج ويساهم في النمو الاقتصادي ومناطق تثقل كاهل الدولة .
تفاوت نسب النمو الاقتصادي بين جهات المغرب، عمق الإختلالات التنموية بين جهات الوطن على مستوى البنى التحتية غير المكتملة ، والخدمات الصحية والاجتماعية، لتدخل إلى دائرة النسيان والتهميش من المركز بقصد أو بغيره.
نادية البعون، باحثة في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية ترى أن ” هناك بعض الجهات تم تهميشها في سياق تاريخي في إطار علاقتها بالسلطة المركزية”، مستدركة بالقول” ولكن هذا لم يعد حاليا، بحيث نجد بأن خطب الملك تركز الاهتمام على المناطق المهمشة، لكن بالطبع مع إيلاء الأهمية، بشكل خاص، للمناطق الجنوبية، والتي جعلها خطاب عيد العرش لسنة 2010، في صدارة إقامة الجهوية الموسعة”.
وتابعت الباحثة في علم الاجتماع السياسي ” كذلك، نلاحظ في العهد الجديد، اهتمام الدولة بالريف عبر تدشين الملك لعدة مشاريع، كما شكلت التنمية بالمنطقة بعد الحركة الاحتجاجية أولوية لدى الدولة. لكن في الظرفية الحالية، تشكل التنمية أولوية بالتساوي مع كل المناطق المهمشة. في تصريح خصت به “فبراير”
وعن مدى تأثير الفوارق المجالية في الاحتجاجات أشارت إلى أن “اللاعدالة المجالية في حد ذاتها ليست هي التي تؤدي إلى الاحتجاج، وإنما حجم الاستياء، وكيف يتمثل الأفراد ما يعيشونه من تهميش، مع القدرة على ترجمة هذا الإحساس إلى حركة اجتماعية”، وهذا يحتاج إلى تمثل جماعي وإلى غضب مشترك”.
ومضت تقول “مدينة الحسيمة تشهد بالفعل مظاهر متعددة من التهميش، لكن هناك مناطق أخرى أكثر تهميشا منها ولم يطلها الاحتجاج. ويفسر ذلك بالفرق في حجم الإحساس بالاستياء الذي برز، في حالة الحسيمة، بعد حادثة “طحن” محسن فكري، فوقع تجمع. وهذا التجمع لم يكن بإمكانه أن يستمر لولا لجوء قادة الحركة(لجنة الحراك) إلى تعبئة الساكنة، وإعداد ملف مطلبي بطريقة تشاركية، وكذلك، لولا وجود إحساس متراكم بالظلم والتهميش لدى الريفيين لعدة سنوات”.
وأضافت البعون في نفس السياق، “المسيرات التي عرفها المغرب سنة 2010، للمطالبة بفك العزلة عن بعض المناطق الجبلية النائية بالأطلس المتوسط، وهذا ليس بسبب فوارق مجالية، وإنما بسبب وضع يعيشه جزء من ساكنة المغرب ويتكرر سنويا، ويحدث الاحتجاج لأن هناك تضامن باعتبار أنهم ينتمون لنفس الفضاء الجغرافي. كذلك، احتجاجات سيدي إيفني، كان فيها تراكم، وفيها قدرة كبيرة على التعبئة. ونفس الشيء ينطبق على احتجاجات صفرو، والتي فيها أيضا إحساس متراكم بالتهميش”.
في مقابل ذلك تقول البعون إن هناك ” احتجاجات أخرى تريد أن تستفيد من الامتيازات رغم أنها ليست مهمشة مجاليا، مثل مخيم أكديم إيزيك الذي تشكل في خريف سنة 2010، بضواحي مدينة العيون. وفي أحيان أخرى، تريد هذه الاحتجاجات أن تستفيد من التنمية كما استفادت مناطق مهمشة أخرى لأنها بدورها تعرف التهميش، ولأنه في تمثلها الاحتجاج هو الذي سيخرجها من هذا التهميش. وهذا ما لاحظناه من احتجاجات في بعض المدن بعدما انكبت الدولة على تتبع إنجاز مشاريع التنمية في مدينة الحسيمة”.
وبخصوص كيفية تعامل الدولة المركزية مع الاحتجاج سجلت البعون أن الحركات الاجتماعية تؤثر على السلطة عندما تكون لديها القدرة على أن تمتد في الزمن أو في المجال الجغرافي، آنذاك تتدخل السلطة، وهذا التدخل هو مؤشر على أن تلك الحركة هي حركة قوية، وتشكل هاجسا للدولة، سيما إذا كانت تجلب إليها فئات مجتمعية أخرى. في هذه الحالة نلاحظ بأن الدولة تعتمد إستراتيجيتين، وهما التسوية، ثم المنع.
وتابعت نفس المتحدثة “بحيث تلجئ الدولة في البداية إلى تلبية مطالب تلك الحركة، كما قد تلجئ بعد ذلك، إلى إغلاق السياق بموجب القانون. وهذا لاحظناه بعد احتجاجات 2011، عبر خطاب 9 مارس، واتفاق 26 أبريل الذي وقعته الدولة مع النقابات، ثم سياق تطبيق القانون سنة 2012، هذا إلى جانب كيف قامت الدولة بتدبير حركة المعطلين وحركة الريف”.
وفي نفس الاتجاه أضافت أن هذا ينطبق أيضا على “تدبير الدولة للاحتجاج في الزمن الطويل، لكن مع بعض الفوارق. ففي السابق، قبل سياسة الانفتاح، وخصوصا في انتفاضة 1965 و1981، قامت الدولة بتدبير هذين الانتفاضتين بمقاربة تتكون من أربعة أبعاد، تشمل الأسلوب الأمني، عبر التدخل العنيف لتهدئة الأوضاع، ثم الأسلوب القانوني عبر اللجوء إلى أسلوب الاعتقال والمحاكمة، ثم الأسلوب السياسي من خلال إجراء بعض الإصلاحات السياسية، وأخيرا، اعتماد أسلوب وقائي إصلاحي عبر إيجاد حلول للمطالب التي رفعتها هذه الحركات.
وترى البعون أن الجهوية “المتقدمة” سيكون لها أثر ملموس على تقليص الفوارق بين الجهات، سيما بعد إحداث صندوق التضامن بين الجهات. بحيث سيكون هناك تقليص للفوارق الجهوية، وتوزيع للمشاريع والموارد المالية. كما ستؤدي الجهوية إلى استثمار كل جهة لمؤهلاتها مع وجود تضامن بين الجهات.