مهنة الوشم، أو ما يعرف بـ”التاتواج”، حرفة يزاولها فنانون ورسامون اختاروا العمل على تحويل أجساد زبنائهم إلى لوحات إبداعية، لكنه وعلى الرغم من إقبال مجموعة من الناس عليه، وخصوصا منهم الشباب، لا زال يلاقي من الرفض في مجتمعنا المغربي ما يجعله “مشبوها” و”منبوذا” في نظرات مجموعة من الناس، موقع “فبراير” حاول كسر كل الحواجز ليدخل غرف صناعة “التاتواج”، ويستقي تصريحات شباب اختاروا زخرفة أجسادهم، في تحد للعقلية السائدة.
ورشة الوشم.. معدات غريبة وزبناء كثر
ولجنا مكانا فسيحا شبيها بعض الشيء بعيادة الطبيب، إن اختلف قليلا عنها بجدران مملوءة عن آخرها بصور ورسومات وزخارف وأشكال متنوعة ذات لون أسود، فضلا عن وجود آلات غريبة شبيهة إلى حد كبير بالمسدسات الموضوعة فوق منضدة حديدية، بجانبها إناء به حبر أسود وقوارير لألوان عديدة أخرى، بمحاذاتها أقلام من مختلف الأحجام، تتخللها عند المنتهى أسلاك ومآخذ للتيار الكهربائي، إبر كثيرة للتخدير الموضعي وأخرى شبيهة بالمقص تعتمد لوضع ثقوب على الجلد، وأرائك مريحة بيضاء وسوداء جلدية كتلك التي يمتلكها المحلل النفسي في عيادته.
رشيد، صاحب المحل، أصلع ذو قامة قصيرة وشارب كثيف مبرم، يرتدي وزرة بيضاء كوزرة الأطباء، وقبل أي عملية للوشم يحرص على غسل يديه بسائل مطهر، وكأنه في طور إجراء عملية جراحية، يضع بعد ذلك قفازات مطاطية، ليستقبل زبونه الأول الذي يقدم له “كاطالوغ” من الأشكال، على الزبون اختيار ما يروقه مما يقترحه عليه صاحب المحل من نماذج، أو أن يعرض عليه أشكالا أخرى خارج “الكاتالوغ”.
عند شروع رشيد في العمل، يستبدل مقدمة الأقلام التي تشبه الإبر بأخرى جديدة، ليرسم ما اختاره الزبون على ذراعه أو أية منطقة أخرى من جسده، بعد حقنه بمخدر موضعي، أو عبر دلك المنطقة التي سيوضع عليها الوشم بمرهم خاص.
وضع علاء قبل قليل إصبعه على صورة نمر مكشر الأنياب، مبديا رغبته فيه بأنياب أكبر حتى يكون أكثر إفزاعا ورهبة، وافق أخصائي الوشم محركا رأسه علامة الإيجاب وهو منهمك في وضع المحددات الأولى للرسم، يحاول المختص التركيز وهو يحفر خطوطا متصلة، ومنفصلة، ومتقاطعة، ومتوازية على جلد علاء الذي تسيل منه بعض الدماء، يغمض علاء عينيه ويضغط على شفته السفلى، حيث يبدو جليا أن المخدر الموضعي لم يجدي له بأي نفع، لكن عليه بالصبر حتى يكمل “الفنان” عمله بتلوين وملء الفراغات بين الخطوط.
مهنة “التاتوور” والفراغ القانوني
وضع كمال، مختص الوشم، أو “التاتوور” كما يحلو للبعض أن يسميه، ضامدة على وجه النمر ذو الأنياب فوق ذراع علاء الذي يبدو راضيا عن وشمه الجديد، رشيد أربعيني تعلم الرسم على الجلود الآدمية منذ أكثر من 10 سنوات، وتحديدا عندما كان يزاول هذه الحرفة في بريطانيا، عند رجوعه للمغرب منذ سنتين، فكر في إنشاء “استوديو” خاص بالوشم، إلا أنه علم بعد ذلك أن الأمر ممنوع قانونيا، يقول: “في المغرب، عكس بلدان العالم، يعتبر “استوديو” الوشم كالعيادة الطبية، لأنه يرتكز على الجراحة واستخدام ماكينات لحفر الجلد، وبالتالي قبل فتح أي “استوديو” يجدر بنا الحصول على ترخيص، وهذا من سابع المستحيلات”.
تدخل مهنة “التاتوور” بالمملكة في خانة المهن غير المهيكلة البعيدة عن أي تنظيم قانوني عكس باقي المهن والتخصصات الأخرى، وبذلك اختار رشيد إنشاء “استوديو” خاص به في إحدى الأزقة الضيقة لدرب السلطان، حتى يكون في منآى عن أية مراقبة أو إغلاق من قبل السلطات، “زبنائي على الرغم من ذلك كثر، يأتون من كل حدب وصوب، ويثقون في إبداعي وفي سلامة العمليات التي أجريها لهم، أنا أحرص على استبدال الإبر وتعقيمها، وأقوم بذلك أمام أعينهم حتى لا أواجه أي مشكل لاحق، ومنذ عامين وأنا أزاول هذه المهنة هنا، والحمد لله لم يصب زبنائي أي مرض جلدي أو ما شابه، بل على العكس، هم راضون دائما عن عملي الفني، ويعودون مجددا لأزخرفهم بأشكال أخرى، وعلى الرغم من شهرتي فليس للسلطات لحد الساعة علم بوجودي في هذا الحي الشعبي”.
رفض مجتمعي وإساءة لأصحاب “التاتواج”
تغمر أصحاب الوشم في مجتمعنا نظرات من الانتقاد تقلل من قيمتهم وشأنهم، وتضعهم في خانة الأشخاص المشبوهين، وعديدون من يعتبرون أن الوشم “حرام”، وأن صاحبه ارتكب معصية وخطيئة كبرى، تقول ندى ف هذا الصدد: “ما دمت لا أؤدي أحدا بما أفعله، فخياراتي وكل ما أرغب في القيام به يهمني لوحدي فقط”، تضيف ندى بتعابير اشمئزاز وسخط: “نجد محالات بيع الخمر في كل مكان، والكل مخمور، وهذا لا يشكل عند الناس أي مشكل، فيحين الوشم بالنسبة لهم عار ومذموم، مجتمعنا للأسف يعني من انفصام لا بد له من علاج”.
تواجه ندى مشاكل جمة مع محيطها بسبب الوشم، لكنها لا تكثرت وتتجاهل كل الأفعال الجارحة التي تواجهها، “بعد رؤية الناس لوشومي يصابون بصدمة، ويتخذون مواقف جد متطرفة، فإما يتجاهلونني ويتهربون مني قدر المستطاع كما لو كنت وحشا، وإما يحشرون أنفهم فيما لا عنيهم بسبب عدم تقبلهم للاختلاف، ويواجهونني بأبشع أنواع السب والتجريح والانتقاذ دون أن ننسى التحرش الذي أتعرض إليه، باعتباري “شخصا سيئا” يضع التاتواج”.
تقول ندى أن لا أحد يحق له التحكم في أفعالها وميولاتها “وإن تعلق الأمر بوالداي وعائلتي، فليس من حقهم توجيه خياراتي ما دمت راشدة، ولكنهم لا يفعلون عموما، فعلى الرغم من اعتراضهم بداية على مسألة وضعي للوشم، أقنعتهم بعد ذلك أن هذا يخصني لوحدي، وأنهم ليسوا ملزمين بمحاسبتي أو تقيم قناعاتي وانتقادها، كما لا أحد ملزم بالتدخل في شئوني الخاصة والشخصية”.
تضيف ندى في حديثها عن سلطة العائلة وتحكمها في الأبناء: “نحن نعيش في مجتمع يعتبر العائلة مقدسة، وكلامها ونواهيها فوق كل الاعتبارات مهما بلغ سن الأبناء، وخصوصا منهم الإناث، وهذا في نظري غير عادل، خصوصا إذا ما نهى الآباء أبناءهم على القيام بأشياء يحبونها، عوض تشجيعهم ودعمهم”.