أكد مجموعة من الباحثين والأكاديمين، أن واقع تنزيل حماية المال العام في الصفقات العمومية، يعرف مجموعة من النواقص والاختلالات، التي ينبغي الانكباب على تداركها وسد الثغرات وتعزيز الرقابة، وإيجاد حلول عملية لها بغية تجويد فعالية نظام الصفقات العمومية، بشكل يمكن من المحافظة على المال العام من خلال تحسين حكامتها اعتمادا على منظور شمولي مندمج لتدبيرها.”
وجاء هذا خلال إطار ندوة دولية نظمها مختبر الحكامة الأمنية والفعل العمومي وحقوق الإنسان بتنسيق مع شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية ندوة دولية حول: “الصفقات العمومية ودورها في المحافظة على المال العام” يومي 05 و06 مارس 2020، وعرفت مشاركة العديد من الباحثين والإداريين والفاعلين والخبراء المراقبين لتدبير الشأن العام.

في هذا السياق، أكد محمد المودن، أستاذ المالية العامة والقانون الإداري بكلية الحقوق في المحمدية على أن ” المشرع المغربي لم يحدد إجراءات واضحة وحقيقية لتفادي الوقوع في تضارب المصالح في الصفقات العمومية “، مشيرا إلى أنه اكتفى فقط بمعالجة بعض مظاهره في نصوص قانونية متفرقة”.
واستحضر المودن التجربة المصرية ، قائلا بأن المشرع المصري أصدر قانون سنة 2013 حول حضر تعارض مصالح المسؤولين في الدولة، والذي حدد الأشخاص المعنيين وحالات تنافسهم وأنواع التضارب وحالتهم التي يمكن أن يوجدوا فيها.”
وأبرز المتحدث ذاته أن “المشرع المغربي لم يفصل في المقصود بمفهوم تعارض المصالح بحيث ” يتم الحديث عن تنازع المصالح، وعن تعارض المصالح وحالات التنافي والفساد والرشوة، فضلا عن غياب الآليات القانونية لضبط حدود الصلاحيات بكل تجرد واستقلالية، وغياب معايير قانونية للتمييز بين حدود المعالجة التأديبية والمعالجة الجنائية لتضارب هته المصالح بشكل عام والصفقات العمومية بشكل خاص.”

وخلص المودن، إلى صعوبة حصر تمظهرات تضارب المصالح في الصفقات العمومية التي تفرزها الممارسة، وبالتالي تحديد قائمة إشارات التحذير التي من المحتمل أن تسهم في اكتشاف حالات تعارض المصالح، إلى جانب عدم معالجة قيمة الهدايا المحتملة المسموح بها، سواء قبل أو أثناء أو بعد إجراءات الشراء، أو عند إدارة الإجراءات أو العقود اللاحقة.
ومن جهته، أوضح سمير اولقاضي، أستاذ القانون العام بالمحمدية أن ” المغرب صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وبالتالي فقد أصبح ملزما بتطبيق مقتضياتها وبتطبيق مقتضيات دستور 2011 من أجل حسم النقاش السائد حول الإثراء الغير المشروع بتجريمه وإدخال هذا المقتضى للقانون الجنائي المغربي”.
وللحد من هذه الاختلالات والخروقات، دعا محمد الشاوي، أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش‘ إلى ضرورة إصلاح المقتضيات المنظمة وتدقيق الصفقات العمومية، وذلك في اتجاه تقوية التدقيق وتدعيم مكانته ضمن منظومة الرقابة المطبقة على الصفقات العمومية.

يتوجب كذلك- يضيف الشاوي- ضرورة تحديد جهاز واحد متخصص تناط به مهمة تدقيق مختلف الصفقات العمومية، او إحداث لجنة خاصة على مستوى اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، بشكل يسمح بتوحيد الجهود والإمكانيات التي يوظفها كل جهاز على حدة وفي كل قطاع معين، قصد تدقيق الصفقات العمومية.
كما دعا الشاوي أنظمة الرقابة الداخلية والتتبع والتقييم داخل كل الأجهزة الإدارية(الدولة، المؤسسات العمومية، الجماعات الترابية) تسهل من جهة عملية تدقيق الصفقات العمومية، وتساعد في نفس الوقت المدبر العمومي على اتباع الممارسات الحميدة المتبعة في تنفيذ الشراءات العمومية، وتفادي المخاطر التي قد تعترض تدبير هذه المشتريات، أو تحول دون بلوغ الأهداف والنتائج المنتظرة منه.
أما محمد مجيدي، وكيل الملك بالمجلس الجهوي للحسابات، الدار البيضاء، فقد أكد على أن ” نجاح عملية الشراء التي تقوم بها الأشخاص العامة لا تتوقف فقط على احترام المساطر المقررة واعتماد معايير موضوعية وغير إقصائية، بل تتوقف قبل كل شيء على التحديد الدقيق لحاجياتها.”

مقاربة جزائرية “للصفقات العمومية ودورها في المحافظة على المال العام”
اعتبر حميد قاسيمي محامي وباحث بجامعة أبي بكر بلقايد بالجزائر، أن الفساد في مجال الصفقات العمومية من الظواهر التي لا يمكن تجاهل آثارها سيما على التوازن الاقتصادي ذلك أن الجرائم الاقتصادية تعد من أهم التحديات والعوائق التي تقف في مواجهة ازدهار الاقتصاد الوطني لما تشكله من خطر محدق يمس المؤسسات .
المشرع الجزائري حرص على تكريس مكافحة الفساد وحماية المال العام بصفة صريحة، يقول حميد قاسيمي من خلال مصادقته على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وتجسيده في القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته وكذا من خلال تنصيص على جرائم المتعلقة بالصفقات العمومية.”

ومن جهتها، اعتبرت سهام إبراهيمي، أستاذة محاضرة بمعهد الحقوق والعلوم السياسية، بالمركز الجامعي صالحي أحمد بالنعامة بالجزائر، ” أن النظام الجزائري وضع آليات ضبطية وتنظيمية تسعى إلى التصدي للفساد، وحماية المال العام، وترشيد النفقات العمومية. غير أنه لا زال عاجزا عن القضاء على هذا الفساد”، مشيرة إلى المحاولات التشريعية.
وأوضحت ابراهيمي أن القانون الجزائري جرم الرشوة ومختلف الجرائم المشابهة لها، ويأتي على رأسها منح الهدايا للموظفين، مبرزة نقائص التشريعات القانونية القائمة بالجزائر، والتي لا تؤدي إلى القضاء على الفساد، مما يستوجب تكثيف المجهودات اللازمة لمحاربة كل أشكال هذه الجرائم.
