على مر التاريخ كانت الطبقة العاملة تؤدي ثمن جشع الرأسمالية، باعتبارها الطبقة المنتجة التي تقف في الواجهة، اليوم ومع تفشي وباء كورونا، وجدت هذه الطبقة نفسها مرة أخرى في فوهة البركان. فإذا كانت دول العالم فرضت حجرا عاما، والمغرب ضمن هذه الدول أوقف عددا من القطاعات التي تضم جماعات من الناس، منها بعض الشركات، لكنه لم يوقف عجلة الانتاج بشكل كُلّي، خاصة الإنتاج في مجلات حيوية مرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.
ارتفاع حالات الإصابة في الأيام الأخيرة بالمغرب حسب وزارة الصحة، راجع إلى ظهور بؤر صناعية وأخرى تجارية، مما يوضح جليا أن هذه الطبقة العاملة هي الأكثر عرضة للخطر، حيث تعيش بين شبح الإصابة بفيروس كورونا المستجد، وهي لا زالت تواصل عملها خاصة في ظل غياب أدوات الوقاية أو ضعفها، وبين كابوس البطالة الذي يتربص العشرات منهم.
ومثال تعرض العمال الذين لا زالوا يشتغلون لمخاطر الإصابة بالوباء، الـ 200 عامل وعاملة الذين يشتغلون بمصنع في عين السبع بالدار البيضاء، حيث سجل هذا المصنع لوحده أكثر من 100 عامل مصاب، فيما خضع البقية للحجر الصحي، بعضهم بالفنادق وآخرون بالمراكز الاستشافية، يعيشون رعب الإصابة وقهر وساوس نقل العدوى لعائلاتهم.
وهناك بشركة “الكابلاج ” بالقنيطرة، تربص كابوس البطالة بالعمال، بعدما فرضت عليهم الشركة العمل، نظرا لارتباطاتها الدولية، حيث هددت العمال بالطرد، وعدم التصريح بهم في صندوق الضمان الاجتماعي، في حالة انقطاعهم عن العمل. هذا الواقع الذي يتربص بالطبقة العاملة في هذه الظروف الحرجة، يفسد سنين الكفاح من أجل كرامة العمال، ويسائل النقابات العمالية الوطنية عن مدى مواكبتها لهذه الطبقة في ظل هذه الأزمة.
العمال في فوهة البركان
قال عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، العلمي لهوير في اتصال هاتفي لـ”فبراير”، إن هذه الجائحة لها انعكاس اقتصادي واجتماعي، والمتضرر الأول هم الفئات المهنية التي تصطف في الصفوف الأمامية والأكثر عرضة للخطر.
وأضاف لهوير، أن لا أحد توقع مثل هذه الوضعية ولم يتم استحضار تشريعات تهم العمال لتدبير هذه المرحلة، مضيفا أنهم في الكونفدرالية راسلوا الحكومة لتفعيل مؤسستين ضرورتين في هذه الأزمة وذلك وفق ما تقتضيه النصوص القانونية، حيث يتعلق الأمر بدعوتهم إلى تفعيل لجنة المقاولة المنصوص عليها في مدونة الشغل ودورها هنا هو الوقوف على التحولات التي تمس المقاولة، واما المؤسسة الثانية حسب لهوير هي مؤسسة حفظ الصحة والسلامة ودورها السهر على سلامة الصحة العامة للأجراء، إلا أن هذه المؤسسات غير مشغلة إلا في القطاعات الكبرى كقطاع المناجم وبعض المؤسسات الصناعية الكبرى.
وتحدث لهوير أن هناك بعض المعايير الدولية بغض النظر عن الجائحة، تحدد شروط الاشتغال للأجراء في ظروف أحسن، لكن المسألة ظلت مغيبة، وفي شق آخر يتابع عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وهو مراسلتهم لوزارة الداخلية باعتبار أن العمال والولاة بمناطق المملكة، مسؤولون عن لجان البحث والمصالحة والحوار الاجتماعي، وذلك بهدف مراقبة بعض المقاولات التي لا تحترم شروط الصحة والسلامة، مضيفا ” لقد قدمنا أمثلة في هذا الممار، بشأن ظروف تنقل الأجراء في القطاع الفلاحي الذين لا زالوا يتنقلون بشكل جماعي”.
كما أن عددا من المقاولات يضيف لهوير، لا تتوفر على الظروف الصحية في هذه المرحلة، لا معقمات ولا كمامات، باستثناء المقاولات الكبرى وهو ما عرّض إصابة عدد من العاملين، ورغم اتخا الدولة لتدابير صارمة واستباقية وإغلاق شبه شامل، بهدف تجنب انتشار الوباء، لكن الحكومة لم تخرج مذكرات واضحة تلزم المقاولات باحترام التدابير الوقائية، حيث إن البلاغ الصحفي الأخير لوزارة الشغل والتجارة والصناعة تضمن توصيات ولم يشر إلى عقوبات بالنسبة للمقاولات التي لا تحترم المعايير الوقائية.
وسجل لهوير أن آليات المراقبة شبه مغيبة ببعض المقاولات، ويجب أن تكون هناك جدية من طرف الحكومة ومعاقبة المقاولات التي لا تحترم الاجراءات الوقائية التي ظهرت كبؤر وباء مهنية
وأكد لهوير أن حماية الحق في الصحة والسلامة للأجراء هي أولوية، وهنا حتى بعض المقاولات لم تكن مواطنة في الحفاظ على صحة أجرائها، بعدم احترامها لتدابير السلامة ومسؤولية الحكومة تتجلى في نقص المراقبة.
وشدد عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، “لا نريد توقيف عملية الإنتاج، وإنما نطالب بتوفير ظروف الصحة والسلامة المهنية، والحوار مع ممثلي الأجراء ومراقبة المفتشين وتفعيل مخرجاته، وإلا لن يكون هناك تحكم في تفشي الوباء”.
على المشغلين استحضار الضمير
من جهته، قال مسؤول لجنة القطاع الخاص بالاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، عبد العزيز الطاشي، إن كل ما قامت به الحكومة تجاه المقاولات إلى حدود اليوم مجهود جبار يجب أن نثمنه.
ما نعاتب عليه الحكومة يقول الطاشي، هو عدم إشراك الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب ولا نقابات الشغل الأخرى في لجنة اليقظة الاقتصادية، ولو أشركونا كممثلين للطبقة العاملة، لقدمنا مقترحات ميدانية، فتغييب النقابات المركزية الأكثر تمثيلية يعتبر خطأ لأن ما يحدث في البؤر الصناعية كنا لنضع تصورات لتجاوزه.
وتابع الطاشي، أن بعض المشغلين استغلوا هذا الوضع وبدؤوا يسرحون العمال، وهناك مشكلة أخرى وهي عدم تصريح بعض الشركات بالعمال مما جعلهم لا يستفيدون لا من دعم صندوق تدبير الجائحة عن طريق صندوق الضمان الاجتماعي، ولا من الدعم عن طريق الرميد لعدم توفرهم عليه، مما جعلهم يدخلون ضمن المستفيدون من القطاع غير المهيكل وهنا يخضعون لإجراءات معقدة.
من جهة أخرى، يضيف الطاشي، أن من المشغلين من ترك العمال يشتغلون في مقاولاتهم وبلغوا على أنهم تضرروا وأوقفوا العمل، بتقديم الفرق في الراتب للعمال بعد حصولهم على الدعم من صندوق تدبير الجائحة عن طريق الضمان الاجتماعي.
وأكد مسؤول لجنة القطاع الخاص بالاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، أن الحكومة تقوم بالمراقبة، لكن يصعب مراقبة كلية لأن أرباب العمل عليهم استحضار الضمير في هذا الوضع الاستثنائي الذي لا يقبل التلاعبات.
من جانب أخر، قال الطاشي، “لا ننكر بعض المقاولات التي أعطت مستحقات العمال ولم تذهب للاستفادة من صندوق الجائحة، رغم التوقف، وهناك من المقاولات من أكملت مستحقات عمالها بعد أن توقفوا وبلغت بهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي”.
وأقرّ الطاشي بخصوص غياب عقوبات في حق المشغلين الذين يتلاعبون بالقانون في هذه الأزمة للاستفادة، أن القانون تمت مناقشته وهو اليوم في البرلمان، ورغم أنه تأخر في دخوله حيز التنفيذ، إلا أن مقتضياته تفرض غرامات على كل مقاولة تم ضبطها تتلاعب عن طريق التصريح الكاذب بالتوقف عن الشغل، حيث سيتم إجبارهم على رد كل المبالغ التي أخذوها من الصندوق إضافة إلى عقوبات أخرى واردة في القانون.
ومن المقترحات التي يحملها الاتحاد حسب المتحدث نفسه، هو عدم توقيف العمل في القطاعات الحيوية، وفي الوقت نفسه عدم الدعوة إلى الاكتفاء بارتداء الكمامات فقط، ولكن يجب مواكبة كل هذه الإجراءات ضمن المعايير الدولية، وتوفير أدوات مراقبة العمال باستمرار، كمقياس الحرارة في كل المعامل والمقاولات التي ما زالت تشتغل.
وزاد المتحدث، أنه من مطالبهم كذلك انصبت حول مشاكل واجهها الأجراء، وهو أن لجنة اليقظة الاقتصادية طلبت من صندوق الضمان الاجتماعي في وضع بوابة يسجل خلالها المشغلون المتوقفون عن العمل تصريحا بالأجراء للاستفادة، وهناك بعض المشغلين الذين لم يصرحوا بالعمال رغم توقفهم وتوفرهم على التصريح في صندوق الضمان الاجتماعي، لكن الأجراء الذين وقع لهم هذا المشكل ليس لديهم جهة أو بوابة يضعون فيها شكايات وينبهون إلى أنهم مصرح بهم في الضمان الاجتماعي وتوقفوا عن العمل وأن المشغل لم يبلغ بهم.
الجهات المعنية، يشير الطاشي، كان واجبا أن تفتح هذه البوابة في وجه الأجراء أيضا لرفع شكاياتهم وعدم تهميشهم، الأمر الذي جعل عددا من العمال ضائعين، لا هم حصلوا على مستحقاتهم ولا على تعويضات الدعم المخصصة من صندوق تدبير الجائحة، وهو الأمر الذي حدث مع عدد من العمال منهم في الفنادق، لذلك يجب استدراك هذه المسألة.