الرئيسية / نبض المجتمع / استقلال المغرب...تاريخ صنعته ملحمة العرش والشعب

استقلال المغرب...تاريخ صنعته ملحمة العرش والشعب

نبض المجتمع
مهداوي فاروق 26 أبريل 2020 - 23:08
A+ / A-

بين الانكسار والانتصار، بين الخيبات والاخفاقات، عاش التاريخ الراهن للمغرب مجموعة من المحطات التاريخية، التي شكلت نقط تحول في النسق الذي تسير به الدولة، ويسير فيه المجتمع. وفي هذه السلسلة، المعنونة بـ”بين الانتصار والانكسار..جزء من تاريخ المغرب”، ستعيد “فبراير” نشر أهم المحطات التاريخية التي مر منها المغرب المعاصر، من زوايا مختلفة بعيدا عن القراءة السطحية للحدث.

“أيها الشعب الوفي…مهما تمسكتم بالعروة الوثقى، ما كان شيء ليضركم كيفما كانت شرته، إذ لا شِرة تدوم في الحياة الدنيا.

أيها الشعب العزيز..

وعدتَ بالإخلاص ووفيت أحسن الوفاء، وكنتَ من الصابرين فكان لك ما وعد الله به؛ إنما يوفّى الصابرون أجورهم بغير حساب.

قد أخلصت الوفاء كما أخلصتُ، وأديت الواجب أحسن أداء كما أديتُ، وها أنا بينكم كما تعهدوننا، حب البلاد رائدنا وخدمتها غايتنا.

الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور”.

هكذا خاطب السلطان الراحل محمد بن مولاي يوسف، الشعب المغربي، بباحة مسجد حسان التاريخي بالرباط، في أول صلاة جمعة حضرها في وطنه بعد عامين قضاهما في المنفى الذي اقتاده إليه الاستعمار، يوم 18 نونبر 1955.

على عكس مجموعة من الدول في العالم التي ربطت بين تصفية الاستعمار، وتصفية النظام السياسي الذي سبقه، ففي المغرب كان لقيادة الحركة الوطنية، رأي اخر، فقد ربطت بين عودة السلطان المنفي وإلغاء اتفاقية الحماية التي وقعها المغرب مع السلطات الفرنسية في 30 مارس 1912.

لم يكن جلاء المستمر الفرنسي بالسهولة التي صورها بعض رواة التاريخ، وخصوصا ممن سوقوا للرواية الرسمية، فلولا التضحيات الجسام التي قادها أعضاء الحركة الوطنية، وبعدهم أعضاء جيش التحرير، ولولا التشبث المتبادل بين السلطان وحركة الوطنية، لما كنا نفتخر بلحظة سميت بـ”الاستقلال”.

لنعد قليلا قبل هذه اللحظة، فقد ولد محمد الخامس بن السلطان مولاي يوسف يوم 10 غشت 1909 في مدينة فاس، وهو أصغر إخوته الثلاثة، وقضى طفولته في القصر الملكي بفاس التي كانت عاصمة للبلاد قبل أن يتم الانتقال إلى الرباط التي أصبحت عاصمة للمغرب، وتربى في أجواء التنشئة التقليدية المحافظة للأمراء.

كان محمد الخامس وهو أمير يعيش حياة عادية ولا ينتظر توليه العرش باعتباره الأصغر بين اخوته، فكان المولى إدريس يستعد لخلافة والده تكريسا لعرف تولية أكبر الأبناء، إلا أن الإقامة العامة للحماية الفرنسية كان لها رأي آخر، بعد وفاة السلطان مولاي يوسف، حيث تم تعيين الأمير محمد بن يوسف ذو الـ18 عاما، سلطانا على المغرب يوم 18 نوفمبر 1927، بالرغم من معارضة الاعيان والفقهاء لهذا القرار.

تولي السلطان محمد بن يوسف العرش، جاء في سياق فرض الحماية الفرنسية للظهير البربري، هذا القانون الذي لقي رفض شعبي واسع على اعتبار أنه تضمن مقتضيات تخرج القبائل الأمازيغية للمغرب من سلطة الملك ونفوذ القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، وذلك بغاية تفتيت المغرب وإضعاف تماسكه الداخلي، حسب ما خمنته سلطات الحماية، لكن ومع قيادة الحركة الوطنية وبتعبئتها الشعبية استطاعت اشعال فتيل ثورة شعبية رافضة لهذا الظهير.

حضور السلطان الشاب في هذه الأجواء النضالية، أجج حماسه الثوري، ليجعل تشبثه بالحركة الوطنية ونضالها السياسي المخرج الوحيد والأوحد لجلاء المستعمر الفرنسي، فاختار الاصطفاف الى جانبها ودعم خطوات المقاومة الوطنية.

واقعة الظهير البربري نمت الروابط بين السلطان الشاب وقادة الحركة الوطنية تدريجيا، وبات في أواسط الأربعينيات يتقدم المشهد ليقود العمل الوطني إلى جانب مؤسسي الحركة الوطنية، وذلك من خلال دعمه لائحة المطالب الإصلاحية التي رفعها الوطنيون المغاربة في مواجهة فرنسا عام 1944، كما قام في أبريل 1947 بزيارة تعتبر تاريخية ويحتفل المغاربة بذكراها إلى اليوم، إلى مدينة طنجة التي كانت القوى الدولية تخضعها لوضع خاص خارج السيادة المغربية، وهو ما كان يشير إلى عزم المغاربة على استعادة استقلالهم كاملا.

لقد شكلت مرحلة الخمسينيات، نقطة تحول في تعامل الاستعمار الفرنسي مع السلطان محمد بن يوسف، حيث عرضت السلطات الفرنسية مجموعة من المراسيم الجديدة كي يوقع عليها لتتحول إلى قوانين، وكانت تلك الوثائق تنص على تغييرات كبيرة تجعل الفرنسيين، وخاصة منهم المستوطنين الذين هاجروا من بلادهم إلى المغرب، يقتسمون سلطة الحكم المباشر للمملكة بدل نظام السلطة المزدوجة التي كانت قائمة بمقتضى معاهدة الحماية، أي حكومة السلطان المغربي إلى جانب “إقامة عامة” فرنسية، ليعلن حينها محمد بن يوسف “تمرّده” على الإملاءات الفرنسية وأضرب عن التوقيع.

قرار السلطان لم يكن ليمر مرور الكرام بالنسبة للسلطة الفرنسية، حيث اشتد الصراع بين السلطان محمد بن يوسف المتحالف مع الوطنيين، وبين الاستعمار وحلفائه من كبار الأعيان المحليين. هذا “التمرد” سيعجل بنفي محمد بن يوسف إلى جزيرة كورسيكا في البحر المتوسط، ثم إلى جزيرة مدغشقر القصية في مياه المحيط الهندي. وتم تعيين محمد بن عرفة سلطان على المغرب، خلفا لمحمد الخامس المنفي، لكن ما إن دخل ابن عرفة قصر الرباط حتى اضطر للخروج منه ملاحقا بلعنات الجماهير، حيث تم نقله إلى مدينة فاس خوفا عليه من الاضطرابات الشعبية.

نفي السلطان، واجهته المقاومة الوطنية باتخاذ مجموعة من الاشكال النضالية في مواجهة المستعمر، حيث امتدت أشكال المقاومة الوطنية للاستعمار الفرنسي بعد ذلك لتشمل مقاطعة المغاربة استهلاك السجائر الفرنسية، كما اعتزم الوطنيون توسيع ذلك القرار ليشمل حتى السكر والحليب. وعمد الفلاحون المغاربة إلى الكف عن استعمال الآلات الحديثة التي تأتي بها فرنسا، وعمدوا كذلك إلى إحراق محاصيلهم الزراعية، وتقول بعض التقارير إن عمليات إحراق المحاصيل قد امتدت قريبا لتشمل أراضي المستوطنين.

لم تكن هذه الثورة التي دخل فيها المغاربة لتمر بشكل سلس على المستعمر الفرنسي، خصوصا أن الثورة التي طبعها الغليان والمواجهات والتضحيات الشعبية، استمرت لعامين كاملين، ولم تنتهي إلا برضوخ فرنسا للمطالب المغربية ودخولها في مفاوضات مع الوطنيين، لتكون أولى المطالب، وقبل الحديث عن أي من صيغ إنهاء معاهدة الحماية بين المغرب وفرنسا، عزل السلطان البديل وعودة السلطان الشرعي إلى عرشه، ثم التفاوض معه على تفاصيل الاستقلال.

بالموازاة مع النضالات الجماهيرية، خاضت الحركة الوطنية مجموعة من النضالات السياسية، والتي شكلت وثيقة 11 يناير، أحد أعمدتها، بالإضافة إلى التزامهم بالوقوف جنب السلطان، والاتفاق على أنه لا استقلال إلا بعودة السلطان وجلاء أخر جندي من الاستعمار الأجنبي.

ما طالبت به الحركة الوطنية، وتشبث به السلطان محمد بن يوسف، تأتى في نهايات 1955 حيث عاد السلطان من المنفى، لتنطلق رحلة الخطوات الأخيرة نحو الاستقلال التام، حيث قال السلطان عن هذه المرحلة في خطاب 18 نونبر 1955، إن “الآن وقد تجلت أهدافنا، يجب عليكم أن تتمسكوا بحبل الإخاء وتتجنبوا ما يؤدي إلى التفرقة والبغضاء، إذ لا نجاح يرجى إلا بصفاء القلوب وتوحيد الصفوف، حتى نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا”.

نهاية الاستعمار الفرنسي للدولة المغربية، أو فسخ عقد الحماية المبرم في مارس 1912، سيتم بتاريخ 2 مارس 1956 حيث أنه في هذا اليوم وقع الوزير الأول امبارك لهبيل البكاي أحد الأصدقاء الموالين للملكية وأحد ضباط الجيش الفرنسي، على معاهدة الاستقلال النهائية، التي ستلغي معاهدة الحماية الموقعة بفاس في 1912.

وحسب ما نشر في “مذكرات من التراث المغربي”، فقد نص الاتفاق المغربي الفرنسي الموقع في 2 مارس، على ضرورة التشاور بين البلدين والتنسيق بينهما، أما فيما يخص الوضعية القانونية للمعاهدات التي وقعتها فرنسا باسم المغرب بناء على البند الثامن من معاهدة الحماية، فإن اتفاق 2 مارس نص في بنده 11 على أن “المغرب يعتبر نفسه ملزما بالمعاهدات الدولية التي وقعتها فرنسا باسم المغرب، كما يعتبر نفسه ملزما بالمعاهدات الدولية الخاصة بالمغرب والتي لم يدل في شأنها بأية ملاحظة”، بالإضافة إلى نقاط أخرى تتعلق بجلاء جيش المستعمر الفرنسي من المغرب.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة