ملاحظة لابد منها:
عبر كل من إدريس اليازمي وصلاح الوديع “عضوي هيئة الإنصاف والمصالحة” أثناء لقائهما بمسؤولين حقوقيين في المدينة، عن اندهاشهما من حجم الأحداث التي عرفتها مدينة بركان، مؤكدين أنهما فوجئا بشراسة الأحداث وعدد الضحايا.
وقد يكون استغرابهما طبيعيا، بحيث إن باحثين ومتخصصين في البحث حول الانتفاضات الشعبية لم يشيروا فيما كتب ولو بجملة واحدة عن الأحداث العنيفة التي عرفتها مدينة بركان. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر الباحث عزيز خمليش في دراسته القيمة حول الانتفاضات الحضرية في المغرب، وهي دراسة مقارنة استطاع فيها أن يجمع معطيات مهمة حول الانتفاضات الشعبية بما فيها يناير 84، إلا أن كتابه من ألفه إلى يائه لم يذكر ولو حدثا واحدا بمدينة بركان. مع العلم أنه في كلتي الانتفاضتين (عشرين يونيو 81 ويناير 84) عرفت المدينة أحداثا شرسة.
من جانب آخر لم تشر جمعيات حقوقية لعبت دورا مهما في تغطية الأحداث، مثل جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب بفرنسا ASDOM، والتي أنشأت بغرض متابعة ملف يناير 84، لم نجد ولو إشارة واحدة منها للانتفاضة في المدينة، سواء في بياناتها أو في الملف الصحفي الغني بالمعطيات الذي أنجزته آنذاك. فباستثناء جريدة أنوال التي غطت عددا كبيرا من الاعتقالات والمحاكمات وجريدة البيان التي تابعت محاكمات أعضاء حزب التقدم والاشتراكية ثم جريدة المسار التي ستنشأ في ماي 1985 وتابعت تغطية الاعتقالات وأوضاع السجون. من غير هذه الجرائد، فقليلا ما نجد كتابات عن الظروف الصعبة التي مرت منها البلاد وقتها، وقد كان لتلك الانتفاضة أن حملت بعض القوى السياسية إلى اقتحام مؤسسة البرلمان بشكل كبير مقارنة مع تجربتها السابقة.
انتفاضة يناير انتفاضة وطن:
عرف المغرب في شهر يناير 1984 انتفاضة شعبية شبت في عشرات المدن، مست مختلف جهاته، وكانت أكثر دموية في منطقة الشمال والشمال الشرقي (تطوان، لقصر لكبير، الحسيمة، الناظور، ازغنغن، زايو، بركان). حيث استعملت قوات الأمن الرصاص الحي، وجابت الدبابات شوارع المدن، وحلقت طائرات الحرب فوق سماء بعضها، وأطفئت الأضواء العمومية فيها منتجة لجو رهيب، بينما اكتفت في مدن أخرى بقمع المظاهرات الشعبية والتلاميذية والطلابية بالهراوات، وبعدها شنت حملات اعتقال واسعة.
وفي حالات أخرى وبدون وقوع أحداث كبرى، وزعت الآلاف من قوات الأمن في الشوارع والأزقة مثل الدار البيضاء. وكان ذلك مصدر هلع للمواطنين، خوفا من عودة الرصاص إلى الواجهة مثلما وقع يوم السبت الأسود 20 يونيو 1981. بينما عرفت مراكش التي كانت المهد في التطورات التي ستعرفها البلاد، حالة قمع شرسة مست التلاميذ والطلبة أساسا، وسينتهي بحملة اعتقالات واسعة في صفوف اليسار.
خلفت تدخلات القمع بالرصاص الحي، مئات الشهداء قدرت فيما بين 400 و600 شهيد لدى بعض الصحف الأجنبية وبعض القوى اليسارية (250 حسب عزيز خمليش). وتجاوزت حالات الإصابات الخطيرة هذا العدد بكثير. إلا أن وزير الداخلية ادريس البصري صرح بأن عدد القتلى وصل 29 قتيلا والجرحى 114. ولم يأت ضمن هذا التصريح أي إشارة لشهداء بركان الاثنين وعدد الجرحى، بينما توصلت هيئة الانصاف عبر بحثها إلى إحصاء 52 وفاة. وقد شملت الإصابات بالرصاص الحي مختلف مواقع الجسد، ولا زال بعض الضحايا يعانون لحد الساعة من جراء إصاباتهم. وقد لقي آخرون حتفهم بعد أسابيع أو شهور أو سنوات على الإصابات التي تعرضوا لها.
تلت الانتفاضة حملات اعتقال واسعة في صفوف المواطنين في مختلف أنحاء البلاد، شملت أحيانا مناضلين و مواطنين لم يشاركوا لا من قريب ولا من بعيد في الأحداث التي عرفتها مدنهم، واعتقل بعضهم فقط لأنهم ناشطون سياسيا في أحزاب وتيارات اليسار( و لو أن بعض قيادته أدانت الانتفاضة) أو ناشطون في النقابتين الكدش و الاتحاد المغربي للشغل، و لم تسلم الجمعيات الثقافية والأندية السنيمائية من حملات الاعتقالات التي كانت عشوائية أحيانا، شملت مواطنين لا يعرف في سجلهم أية مشاركة في الفعل السياسي النقابي أو الثقافي، ولم يشاركوا في المظاهرات التي وقعت في مدنهم. وهي الفئات الاجتماعية التي حاولت سلطات البلاد اتهامها بإشعال فتيل الانتفاضة ” المهمشين، الأوباش…”.
اعتقل بعضهم واتهموا بالمشاركة والتحريض في بعض الأحداث التي عرفتها مدنهم الأصلية، في حين كانوا يتابعون دراستهم الجامعية في مدن أخرى. ونذكر في هذا الإطار معتقلي “تطوان” وضمنهم المعتقل بودعاوي عمر والمعتقل الفقيد توفيق زيوزيو المتهمين بالانتماء لمنظمة سرية تدعى “رفاق الشهداء” وتمت محاكمتهم في محاكمة سميت بمحاكمة القرن.
فبعد الاعتقالات التعسفية عبر مداهمة المنازل واقتحام المؤسسات العمومية بدون إذن مسبق (خاصة المدارس والثانويات لاعتقال رجال التعليم) والاعتقال بالمطارات والموانئ وغيرها والاختطاف والتعذيب في مخافر الشرطة والمخافر السرية، بعد ذلك احتضنت السجون ما بين 1500 إلى 2000 معتقل (عن بعض الصحف الأجنبية وقوى اليسار) في ظروف قاسية (التكديس في زنازين ضيقة تفتقد إلى شروط الاقامة رفقة معتقلي الحق العام، سوء التغذية، انعدام شروط النظافة، انعدام الشروط الصحية، ظروف الزيارة…)
سيخوض المعتقلون إضرابات عن الطعام على الصعيد الوطني من أجل الاعتراف بهويتهم كمعتقلي رأي وتحسين أوضاع إقامتهم من جهة، ومن جهة ثانية من أجل الحق في اجتياز الامتحانات حيث تم حرمانهم من متابعة دراستهم (وجدة، فاس، طنجة، تطوان، الدار البيضاء مراكش…) وكانت أكثر لحظاتها مأسوية في سقوط ثلاث شهداء عبد الرحيم المسكيني في بني ملال ثم الشهيدين مصطفى بلهواري والدريدي مولاي بوبكر في مراكش.
أحداث الانتفاضة بمدينة بركان:
عرفت مدينة بركان في السنتين السابقتين عن الانتفاضة احتجاجات شملت مختلف القطاعات، تعرضت لمواجهة شرسة من قبل السلطة، تمثلت في أشكال مختلفة من القمع، الاعتقال لأسباب سياسية ونقابية، التعذيب في مخافر الشرطة، إنزالات أمنية قرب المؤسسات التعليمية لإثارة الرعب في نفوس المواطنين، الانحياز إلى الباطرونا من قبل القضاء في حالات النزاع حول الأرض أو في حالات التدخل السافر للقمع في مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية، الحرمان من الحق في العمل النقابي، منع التظاهر السلمي التضييق على الحركة الثقافية…
وهكذا كانت السنة الدراسية 82-83 الأكثر حيوية وديناميكية في القطاع التلاميذي في مختلف مدن المنطقة (بركان الناظور وجدة تاوريرت). سيتعرض التلاميذ بمدينة بركان إلى حملات قمع تشترك فيها مختلف الجهات المسؤولة، وأصبحت إدارات الثانويات غير قادرة على ضبط ما يجري في مؤسساتها، مما استدعى من النائب الإقليمي أن يحل بنفسه إلى ثانوية الليمون التي لم تهدأ الإضرابات فيها منذ بداية السنة. الا أن حضوره سيزيد من صب الزيت على النار. فقد قام بالاعتداء على أحد التلاميذ، مما جعل التلاميذ يحتجون وتتدخل قوات الأمن بقوة.
على إثر هذا الحدث سيتم اعتقال خمس تلاميذ (عباسي محمد، بنعبد الله عبد الحق، النكاوي محمد، والرمضاني يوسف ) وسيتم إغلاق الثانوية لمدة 17 سبعة عشرة يوما، وقد استدعي باشا المدينة الغازي الطاهر أولياء التلاميذ لتأنيبهم حضرته الأحزاب السياسية والتي باركت بعضها أسلوب القمع الشرس الذي تعرض له التلاميذ.
في نفس السنة ستشهد مدينة وجدة مجزرة حقيقية يوم الثلاثاء الأسود 7 ديسمبر، عبر تدخل وحشي داخل الحي الجامعي بجامعة محمد الأول وستخلف عشرات الجرحى والمعتقلين وذلك تحت إشراف وقيادة العامل الإقليمي البوخاري.
وفي نفس المدينة أي “وجدة” استمرت الإضرابات التلاميذية في كل من ثانوية عبد المومن ثانوية وادي الذهب، ثانوية زيري بنعطية وثانوية عمر بن عبد العزيز العصرية التي سيتم فيها طرد 12 تلميذ لمدة شهر وغرامة مالية تقدر بألف درهم، منهم من مدينة بركان “البالي عمرـ السويدي المامون ـ يوسف الطاهري”
وليس بعدا عن مدينة بركان، كانت كل من الناظور والحسيمة تعرفان إضرابات يومية ووجهت بالقمع وبالتهديد والطرد من الدراسة …
ورغم أن قوى المعارضة أثارت خطورة الأوضاع في شرق المغرب في سؤال شفوي لعبد الواحد الراضي في البرلمان، إلا أن القناة الإعلامية الأولى أصرت على تكذيب ذلك، وقد أرسل الملك أحمد عصمان لزيارة المنطقة لمعرفة ما يجري، وقد أكد كل الأخبار التي أشارت إليها الجرائد الوطنية والتي تشير إلى خطورة الأوضاع في شرق المغرب.
وفي عز الحملة الانتخابية لانتخابات 10 يونيو 83 قامت السلطات بمطاردة العديد من المناضلين من الاتحاد الاشتراكي في مدينة بركان. وعملت على تزوير الانتخابات علنا، من خلال سرقة صندوق التصويت من مكتب التصويت الذي كانت فيه النتائج لصالح “فريد محمد”، ونقلته الى باشوية المدينة وتم تزويره لصالح أحد مرشحي حزب يميني. وفي حالة أخرى تم إحراق صندوق التصويت الذي عادت فيه النتائج لصالح “أحمد معروف” الاتحادي ليسلم المقعد البلدي لمرشح عن حزب الاستقلال.
احتجاجا على ما سبق اندلعت مظاهرة في حي “المكتب” لتليها مظاهرة كبرى بشارع بن سيناء وسط المدينة، وسيتدخل عضو من مكتب فرع الاتحاد الاشتراكي لتوقيفها وسيجعله ذلك محل انتقادات مناضلي الاتحاد بما فيهم أعضاء مكتب الفرع.
ومع بداية السنة الدراسية 83 ـ 84 تفجرت الحركة التلاميذية من جديد ووجهت بالقمع الشرس من قبل عميد الشرطة الجديد المسمى “الجرمون”. وقد داهمت قوات الأمن مرات عديدة ثانويتي الليمون وأبي الخير لتقوم باعتقال التلاميذ. وكانت حصيلة هده الهجمات اعتقال العديد من التلاميذ سواء من الأقسام أو من الشارع، نذكر منهم (لحدودي حسين، بوترفاس عبد الإلاه، يحياوي محمد…). كان العميد “الجرمون” يشرف بنفسه على عملية تعذيب المعتقلين وقد عرف بتنصيب ركلاته نحو الأعضاء التناسلية مما أدى به إلى إصابة خصيتي التلميذ محمد لمريني في بداية السنة، ثم تعرض عباسي محمد سنة 1985 إلى تعذيب شديد وأنقل الاثنين الى مستشفى الفارابي بمدينة وجدة قصد الخضوع لعمليات جراحية.
الجمعة 20 يناير84:
انطلقت المظاهرات السلمية حوالي الساعة السادسة مساء من يوم الجمعة 20 يناير، في كل من حي المكتب (الحي المحمدي حاليا) وحي “لمحال” وحي “لكرابا العليا”. انطلقت بعدد قليل من الشباب، ثم جالت مختلف أزقة الأحياء الثلاث لتلتحق بها المئات في كل مواقعها. فبعد ساعات قليلة من المرور بداخل أزقة كل حي، ستتوحد المظاهرات في موقع الملتقى بين حي” لكرابا العليا ” وحي ” لمحال ” وأصبحت المظاهرة تعد بالآلاف.
آنذاك، توجه المتظاهرون بداية نحو موقع” فرياض” والذي يشكل منفذا للمدينة من حي المكتب، ثم نحو اتجهت نحو “مركز التبريد” ليتم رجمه بالحجر وتُلقى أولى الزجاجات الحارقة. بعد ذلك عادت المظاهرة الكبيرة إلى “فرياض” لتبحث عن منفذ للتوجه نحو وسط المدينة.
توجه المتظاهرون بعد ذلك نحو سينما “الأندلس” عن طريق الجهة الغربية لحي “لكرابا العليا”، يرددون شعارات التذمر والاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وشعارات التضامن مع مراكش، تطوان الحسيمة والناظور. وقام بعضهم بتوجيه الحجر ل”سينما الاندلس” وتكسير واجهتها. ثم توجهت التظاهرة بعد ذلك إلى حي “بويقشار” ” حي القدس ” ونظمت وسطه حلقة كبرى رددت فيها الشعارات إلى حدود متأخرة من الليل.
قامت السلطة مباشرة بعد اندلاع المظاهرات بوضع خطة للمواجهة، تمثلت في تمركز إدارة الأمن داخل دار الشباب من أجل إدارة الوضع تحت قيادة العميد الجرمون.
متاجر المدينة أغلقت بمجرد ما عم خبر انطلاق المظاهرات، خوفا من الاعتداء عليها كما حصل عندما انتفضت المدينة في يونيو81. ومع ذلك فقد تم تكسير واجهات بعضها، خاصة الواقعة في شارع بن سيناء و “الطحطاحا”.
يومي السبت والأحد 21 و22 يناير:
وفي هذا اليوم أي (السبت 21 يناير) ساد الحذر وسط انتشار مظاهرات متفرقة طوال النهار لتتوسع في الليل وتشهد بعض المواجهات مع قوات الأمن. في يوم الأحد 22 يناير توسعت المظاهرات لتشمل نواحي مختلفة. فمن جهة اندلعت مظاهرات في “مكعد الرأس” و “سيدي سليمان” وهي أحياء خارج المدينة ومظاهرات في حي “سالم” والتي سيتم على إثرها حرق إحدى مقطورة إحدى شاحنات النقل الفلاحية، ومن جهة أخرى استمرت المواجهات دامية في وسط المدينة نهارا حيث تتمركز قوات الأمن قرب “دار الشباب”.
في هدا اليوم سيتم أطلاق الرصاص الحي بشكل عشوائي، مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا. في المنطقة التي كان المتظاهرون يحاصرون فيها قوات الأمن من كل الجهات، من جهة “الطحطاحا “ومن جهة “لكرابا العليا” و”الاندلس” وقرب محطة البنزين “أولاد جعرة”.
في مساء اليوم سيسقط أول شهيد حوالي الساعة الخامسة بعد إصابته بالرصاص في رأسه وعمره لا يتجاوز العشر سنوات وهو الشهيد محمد بكاوي، وسيحمله عدد من المتظاهرين إلى منزله مرددين شعار: ياشهيد ارتاح ارتاح …كلنا رمز الكفاح.
مباشرة بعد خطاب الملك ” الخطاب المعروف بخطاب الأوباش” والذي كان بمثابة أمر بالمزيد من العنف ضد المتظاهرين، ستعود المواجهات ليلا، وستتوسع مساحة التظاهر وقد ازدادت اشتعالا رفضا للخطاب الملكي ورفضا للهمجية التي تحكمت في قوات الأمن وأسقطت شهيدا وعدد من الجرحى. في هذه الليلة ستتعرض دار الشباب إلى حريق مهول في إحدى قاعاتها حيث ظن المتظاهرون أن إدارة الأمن توجد بإحدى غرفها.
يوم الاثنين 23 يناير:
في هذا اليوم انخفضت حدة المواجهات، فساد الحذر سواء من قبل السلطة أو المواطنين على حد السواء. وسيتم تشييع جثمان الشهيد محمد بكاوي في جنازة رهيبة بعد أداء صلاة الجنازة في المسجد الكبير الكائن قرب مدرسة علي ابن أبي طالب. قامت السلطة بالتحكم في الجنازة، وأحاطتها بقواتها وتم توزيع مخبرين مندسين وسطها.
وبما أن المقبرة حرمة لا يمكن اقتحامها، فقد بقيت قوات الأمن مرابطة أمام بابها موجهة بنادقها نحو مكان الدفن. مباشرة بعد الانتهاء بمراسيم دفن الشهيد، صرخ أحد المواطنين محتجا ومتأثرا بما جرى. وبمجرد ما التقطت أذان قوات الأمن تلك الصرخة، أطلقت الأضواء الكاشفة نحو مكان الدفن. وشرع الرصاص يصب بشكل عشوائي في اتجاه الحشود الغفيرة، كهولا، شبابا وأطفالا. وبدأ المشيعون للجنازة يفرون من كل الجهات من أجل إنقاذ أجسادهم من الرصاص، وجلهم اختاروا وجهة ثغرة صغيرة لا تسمح بمرور أكثر من فرد بصعوبة، تقع في السور المحيط بالمقبرة والمحاذي لحي “سالم”. أنداك أصيب بعضهم وفروا بجراحهم، بينما بقيت جثة هامدة أمام قبر الشهيد المشيع جنازته. وسيتضح بعد خمسة أيام، أي يوم 28 يناير أنها جثة الشهيد أحمد اليعقوبي البالغ من العمر 16 سنة.
بعدما نجا الفارون من رصاص المقبرة، طاردتهم قوات الأمن داخل الحي المحاذي. وتتبعت قطرات نزيف الدماء التي سالت بغزارة، إلى أن تمكنت من القبض على بعضهم مختبئين في إحدى المنازل.
أثناء مطاردة المشعين للجنازة داخل حي سالم، سيتعرض “محمد المسعودي” إلى رصاصة في بطنه كادت أن ترديه قتيلا، بعدما رفض منح ما يكسبه من مال وساعة في حوزته إلى أحد رجال الأمن.
تم وضع الجرحى المقبوض عليهم أمام الميزان العمومي الموجود قرب المقبرة، وبعدها سيتم نقلهم إلى مستشفى “الدراق” الذي كان محاطا بترسانة كبيرة من الدبابات والقوات المساعدة والبوليس بمختلف أنواعه.
وبعد ساعات سيتم تقرير نقلهم إلى مستشفى الفارابي بمدينة وجدة وضمنهم جثة الشهيد بكاوي التي كانت مغطاة بإيزار حتى لا يتم التعرف عليه.
خوفا من عودة أحداث مشابهة لما جرى في المقبرة، قامت السلطة بفرض دفن الشهيد “أحمد يعقوبي” بمقبرة بمدينة وجدة، وقد حضر جنازته والديه وشقيقته في جو رهيب عرفته مدينة وجدة، التي كانت خالية إلا من قوات الأمن.
بعد أيام، قام محتسب المدينة بزيارة عدد من التجار من أجل مراقبة الأسعار وقد تم تأديب بعضهم، ذلك أن الخطاب الملكي أشار إلى مسؤولية بعض التجار في ما جرى من أحداث، وفي نفس الوقت كانت الاعتقالات تحصد العشرات من المواطنين بعضهم لم تكن لديهم أية علاقة بالأحداث.
حصيلة قمع انتفاضة يناير 84 بمدينة أبركان:
أبرزت يناير 84 شراسة القمع وهمجيته، بدءا من الترويع الذي بثه الرصاص في صفوف المواطنين العزل، إلى مداهمة المنازل ومطاردة أفراد العائلة الواحدة والتعذيب داخل مخافر الشرطة ونقل المعتقلين إلى مخفر الشرطة بوجدة وإشراف الأجهزة السرية على عملية الاستنطاق وعملية التعذيب من أجل استقاء معلومات حول الأحداث ومدبريها. وانتهت المحاكمات الصورية في إصدار أحكام قاسية قدرت بمآت السنين من السجن النافذ وغرامات مالية خيالية، موزعة على المعتقلين لم ينجوا منها الطلبة والتلاميذ والاطفال والنساء رجال التعليم وعمال وموظفي القطاع الفلاحي… وكانت عملية القمع تحت إشراف وقيادة عميد الشرطة “الجرمون ” بتواطؤ مكشوف من باشا المدينة والجهاز القضائي المحلي الذي كان يأتمر بأمر هذين المسؤولين. ثم الجهاز القضائي لمحكمة الاستئناف. ناهيك عن جهاز من الاستخبارات المحلية الاقليمية والوطنية التي كانت لها أيدي طويلة فيما جرى من رعب في المدينة والمنطقة.
وكانت الحصيلة ما يلي:
الشهداء أثناء الانتفاضة:
محمد بكاوي: عمره عشر سنوات- أحمد يعقوبي عمره 16 سنة
شهداء بعد الانتفاضة:
مالك عبد المومن: أصيب بالرصاص في قدمه و التي سيتم بترها في مستشفى الفارابي، وسيفارق الحياة بعد أن قضى سنتين من السجن و بعد أن اختل عقليا.
كريمي حسن: توفي بعد خروجه من السجن متأثرا بمرض عضال لم ينفع معه علاج، وقد قضى ما يقرب عشر سنوات في السجن المدني بتازة. وقد أطلق سراحه في العفو الملكي يوليوز 1994
اختلال عقلي بعد السجن:
ميمون الرامي: قاصر عمره 13 سنة أصيب في قدمه، سيختل عقليا بعد قضاء مدة ثلاثة أشهر بدار الأحداث، وقد تعرض إلى تعذيب شديد داخل مخفر الشرطة.
ميمون قيسامي: سيختل عقليا بعد قضاء خمس سنوات بالسجن المدني بتازة. وعندما أطلق سراحه سيختل عقليا ويختفي بعد وضعه في مستشفى الفارابي.
المصابون بجروح خطيرة في مختلف المواقع من الجسد:
حميد الرمضاني: أصيب اثناء المواجهات بين المواطنين وقوات الأمن في حي الاندلس، أصيب في بطنه وقضى ثلاث سنوات من السجن في السجن المدني بوجدة.
يعقوبي رابح: أصيب في عنقه أثناء المواجهات في حي “الطحطاحة” يوم 22 يناير، قضى ثلاث سنوات في السجن المدني بتازة.
الكحودي البكاي: أصيب في الرأس وستجرى له عملية جراحية في ابن سيناء بالرباط، وسيبقى لمدة سنة في المستشفى وصدرت في حقه محكمة الاستئناف سنة سجنا نافذة.
المسعودي محمد: أصيب في البطن بعد حدث المقبرة وقضى سنتين من السجن.
يوسفي بومدين: أصيب يوم 22 يناير في حي “المكتب”، وهو في طريقه لشراء الحليب لطفله، ولم يعد إلا بعد قضاء سنتين من السجن.
الحامدي عبد الله: قاصر 11 سنة اعتقل وهو يتابع دراسته بالثالثة ابتدائي، وتم إيداعه في دار التربية لمدة سنتين. طبعا بعد تعذيبه في المخفر.
الطالبي علي: أصيب في قدمه أثناء هجوم الرصاص على المقبرة، وقد تم الحكم عليه بسنة سجنا نافذة، قضى نصفها في المستشفى والنصف الآخر في السجن.
كل ضحايا الرصاص تم وضعهم في السجن، وتمت محاكمتهم بتهم المشاركة في المظاهرات، وصل الحكم على أحدهم ثلاث سنوات قضاها في السجن المدني بوجدة وهو حميد الرمضاني.
النساء المعتقلات:
اعتقلت ست طالبات بجامعة محمد الأول بوجدة يوجد منهن ثلاث من بركان: فريدة الطاهري، بنهاري نجاة، السهلي رشيدة.
المصابون من السلطة: الطلحاوي الهادي رقيب شرطة بأبركان – الرئيس بوشير من القوات المساعدة – شباب محمد رقيب الشرطة تم نقله إلى المستشفى قصد العلاج
الخسائر المادية: حريق في “براريك” الطحطاحة وتكسير واجهات بعض المتاجر خاصة في شارع بن سيناء وشارع المنزل قرب “الطحطاحة” تكسير واجهة سينما الأندلس حرق قاعة من قاعات دار الشباب وأعطاب في هياكل بعض سيارات الشرطة.