الرئيسية / نبض المجتمع / مدونة الأسرة: الخلاف حول المدونة العميقة مرده سرعة تطور الدستور ضعف تطور المدونة

مدونة الأسرة: الخلاف حول المدونة العميقة مرده سرعة تطور الدستور ضعف تطور المدونة

دخل الأسرة يرتفع مرة أخرى لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.. فماذا عن المغرب؟
نبض المجتمع

 من اللافت للانتباه أن مدونة الأسرة غير مذكورة باسمها في دستور المملكة، لا في ديباجته ولا في مثنه، في حين أن نظام الأسرة مذكور فيه باسمه بنص صريح واضح لا لبس فيه.

وإذا كان القانون رقم 03.70 لسنة 2004 ينص في مادته الأولى على أنه:” يطلق على هذا القانون اسم مدونة الأسرة“، فإن الدستور ينص في الفصل 71 منه حرفيا على “نظام الاسرة ” وادراجه ضمن ميدان القانون. وبالرغم من ذلك فان مدونة الاسرة بقيت سارية المفعول على حالتها في دستور 1996 الذي صدرت في ظله، دون ملاءمتها مع أحكام الدستور الحالي، الأمر الذي جعل الخلاف حول الأحوال الشخصية بين الفرقاء السياسيين، لا يقتصر هذه المرة على تعديل بعض مواد المدونة فحسب كما يبدو في الظاهر، بل انه الى جانب ذلك يشمل الخلاف على تفعيل دسترة نظام الاسرة باعتبارها من المستجدات الهامة لدستور 2011، مما اقتضى اشراك جل المؤسسات الدستورية في تفعيل هذه الدسترة بمقتضى الرسالة الملكية ليوم 26 سبتمبر الماضي، وعدم الاقتصار على الطريقة المتبعة في تعديل المدونة السابقة.

ويمكن تلخيص مدونة الأسرة بعجالة، في الاعتبار الخاص الذي تحظى به موادها الثلاثة الأولى بعنوان أحكام عامة، مع مادتها الاخيرة المتعلقة بالاحالة على المذهب المالكي، ما يجعل هذه المواد الأربعة المتميزة هي التي تشكل في واقع الامر، المدونة العميقة الكامنة في مدونة الاسرة العادية بموادها الباقية، وهي 396 مادة الموزعة على كتبها السبعة المعروفة.

ولذلك، فإن الخلاف على المستوى الدستورى يدور أكثر حول المدونة العميقة التي تتمسك بأحكام الشريعة الغراء، وبين تفعيل دسترة نظام الأسرة التي تحيل على المعاهدات الدولية ومواثيق حقوق الانسان، بما في ذلك ما يتعارض مع خصوصيات الدول الاسلامية، التي مازال النضال من أجلها على أشده، بينما الخلاف على المستوى القانوني الذي غطى اعلاميا على المستوى الدستوري يدور أكثر حول تعديل مواد المدونة المختلف عليها من تزويج القاصرات والتعدد والحضانة والنفقة وما الى ذلك. حيث يتعين التذكير بان نظام الأحوال الشخصية كان لهذه الاعتبارات بالذات من اختصاص الظهير، ولم يدرج ضمن ميدان القانون طيلة الدساتير الخمسة السابقة.

وإذا كانت المدونة الحالية قد صدرت في شكل قانون الاسرة الانف الذكر، فانه لم يكن وفقا للمسطرة الدستورية العادية للتشريع، وانما كان بواسطة لجنة ملكية قامت باعداد مشروعه ثم تولى البرلمان التصويت عليه. الى ان توج بدسترة ” نظام الاسرة” ضمن مستجدات دستور 2011 لتلبية بعض مطالب حركة عشرين فبراير انذاك بهدف احتوائها سياسيا بدون مضاعفات امنية، وصولا الى الرسالة الملكية سنة 2023 التي ورد فيها ما يلي : “… فان مدونة الاسرة اضحت اليوم في حاجة الى اعادة النظر … واعتبارا لمركزية الابعاد القانونية والقضاءيية لهذا الموضوع، فقد ارتاينا ان نسند قيادة عملية التعديل … لكل من وزارة العدل، والمجلس الاعلى للسلطة القضاءيية، ورئاسة النيابة العامة ….”

هذا عن مشروع تعديل مدونة الاسرة بايجاز شديد، فماذا عن مشروع تفعيل دسترة نظام الاسرة الذي يشكل الجزء الثاني من ورش اصلاح نظام الأحوال الشخصية بقيادة اللجنة الملكية المذكورة، والذي لم يحظ بنقاش دستوري يذكر بسبب هيمنة الثقافة القانونية على الثقافة الدستورية في الدول الفرنكفونية، مما يتطلب الرجوع الى فقرة هامة وردت في الرسالة الملكية وهي الفقرة التالية : “…وطبقا لاحكام الفصل 78 من الدستور، فان الحكومة، مخولة لاتخاذ المبادرة التشريعية، في هذا الشان، وهي التي يعود امر القيام بهذه المهمة …” بمعنى ان مقترحات اللجنة الملكية لتعديل المدونة، بعد ان تحظي بموافقة امير المومنين، ستحال هذه المرة على الحكومة، لتقوم بصياغتها في مشروع قانون وتقدمه للبرلمان للتصويت عليه في اطار المسطرة التشريعية طبقا للفصول من 78 الى 86 من الدستور. وهذه الفقرة البالغة الاهمية دستوريا وتشريعيا، بمثابة قرار تحكيمي ملكي بشأن تفعيل دسترة نظام الاسرة، الذي ثار حوله خلاف كبير بين الحكومة والبرلمان، خلال المبادرة التشريعية الاولى من نوعها في أوائل الفترة التشريعية الحالية، عندما بادر بعض اعضاء البرلمان الى تقديم مقترحات قانونية لتعديل مواد بعينها من مدونة الاسرة، تلبية للمطالب الملحة للحركات النساءيية والحقوقية، كمحاولة منهم لتفعيل دسترة نظام الاسرة، واضفاء طابع مدنية الاحوال الشخصية عليه استنادا الى الفصل 71 من الدستور، الذي ادرج نظام الاسرة ضمن ميدان القانون ولم يبقيه ضمن المجال المحجوز للظهير كما كان في الدساتير السابقة. غير ان الحكومة عارضت ذلك كما هو معلوم، دون سلوك مسطرة الدفع المخولة لها بمقتضى الفصل 79 من الدستور، لكون هذا الدفع لا يتعلق بتنازع الاختصاص بين ميدان القانون والمجال التنظيمي؛ ولكون المجال الملكي اسمى من الخلافات السياسية، وانه غير محدد الاختصاصات على سبيل الحصر حسب الراي الراجح في الفقه الدستوري.

ان هذه المبادرة التشريعية المتميزة في تاريخ البرلمان المغربي، لم تحظ بما تستحق من مناقشة عامة في المستوى المطلوب تحت قبته العتيدة، بالرغم من ان ما اثارته من خلاف بين الحكومة واالبرلمان ليس مجرد تأويل سياسي عابر، بل تاويل دستوري متعدد الابعاد، الى جانب تركه اسيئلة عديدة معلقة، ومنها على سبيل المثال: الى متى سيبقى تعديل مدونة الاسرة يختلف عن تعديل القوانين الاخرى، خاصة بعد ان تمت دسترة نظام الاسرة وادراجه ضمن مجال القانون؟ ولماذا هو أكثر بطئا وصعوبة حتى من تعديل الدستور نفسه، لدرجة ان الدستور السادس الحالي ما زال معاصرا للمدونة الثالثة الجاري بها العمل الى الآن. وان المغرب الذي حظي بستة دساتير منذ الاستقلال الى اليوم ( دساتير : 1962_ 1970_ 1972_ 1992_ 1996_ 2011 ) لم يحظ في نفس الفترة إلا بثلاث مدونات فقط وهي: ( مدونات : 1957 _ 1993 _ 2004 ) اي بمعدل دستورين اثنين، مقابل مدونة واحدة !! وكان من المهام السياسية للمدونة ابطاء تفعيل بعض ما يمنحه الدستور من حقوق وحريات للمواطنين. وعلى اي، فإن هذه المعادلة الحقوقية تثبت ان سرعة تطور الدستور، هي ضعف سرعة تطور المدونة! وبالتالي، هل هذا التفاوت “décalage” المضاعف بين مدونة الاسرة للنظام الاجتماعي، ودستور المملكة للنظام السياسي، سيتم تقليصه خلال الاصلاح الحالي؟ والى اي حد سيتوافق الفاعلون السياسيون على ملاءمة مقتضيات المدونة مع أحكام الدستور مراعاة لمستجدات الألفية الثالثة الحقوقية والتكنولوجية المذهلة، مع العلم ان اكبر مكسب تحقق في هذه المحطة الاصلاحية الهامة لنظام الاحوال الشخصية بالمغرب، ليس فقط تعديل بعض المواد الهامة من المدونة فحسب، وانما اكثر من ذلك فقد تم خلالها تحقيق المكسب المتعلق بتفعيل دسترة نظام الاسرة الذي اوصت الرسالة الملكية الانفة الذكر بتطبيقه.

وفي جميع الاحوال، فان المهم هو عدم ابقاء العديد من حقوق وحريات المواطنات والمواطنين المضمونة بالدستور، غير مضمونة بالمدونة لممارستها على ارض الواقع، وخاضعة للتأويل المتناقض عادة للحكومات المتعاقبة على اختلاف الوانها السياسية اليمينية واليسارية وما بينهما.

السمات ذات صلة

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة